الرئيسية الأخبار دروس من المستطيل الأخضر: ماذا يكشف كأس العالم لكرة القدم عن بيئة العمل الحديثة؟

دروس من المستطيل الأخضر: ماذا يكشف كأس العالم لكرة القدم عن بيئة العمل الحديثة؟

كيف تلهمنا بطولات كأس العالم لبناء فرق عمل متوازنة وناجحة في قطاع المال والأعمال؟

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

يُثير كل مونديال نقاشات مألوفة حول التكتيكات الخططية، واللاعبين النجوم، ولمحات الإبداع الفردي. ومع ذلك، فإن الخيط الرفيع الذي يفصل بين المنتخبات التي تعتلي منصات التتويج وتلك التي تغادر مبكراً، نادراً ما يقتصر على الموهبة وحدها.

إن البطولات تُحسم بالاستعداد المسبق، ووضوح الأدوار، والقدرة على صهر نقاط القوة المتباينة في بوطقة واحدة تحت وطأة الضغوط. ولكل من يتولى مسؤولية بناء الفرق وتطويرها، ثمة دروس هنا تستحق التأمل والوقوف عندها.

الفرق العظيمة تُبنى على التوازن لا النجومية

أثبتت كرة القدم مراراً وتكراراً أن حشد أكبر الأسماء اللامعة لا يضمن النجاح قط؛ فالفرق الفائزة نادراً ما تتكون من 11 مهاجماً. إنها بحاجة إلى مدافعين يقرأون الهجمات ويفككون المخاطر قبل تفاقمها، وصناع لعب يربطون خطوط الخط الخلفي بالهجوم، ومهاجمين يترجمون الفرص إلى أهداف. لكل مركز غاية ووظيفة.

ولا يختلف واقع قطاع الأعمال عن ذلك في شيء. فكثيراً ما تستميت المؤسسات في استقطاب "النجوم" الأفراد، في حين أن الفرق عالية الأداء تُبنى بالأساس على التوازن. يحتاج فريق المبيعات إلى فريق عمليات يسنده، ويحتاج المبتكرون إلى من يفرض الانضباط ويقود التنفيذ. كما تتطلب المؤسسات الطموحة عقولاً تتحدى الأفكار القائمة، وأخرى تعمل على توحيد الرؤى والانسجام.

لذلك، لا تتمحور قرارات التوظيف الذكية دائماً حول اقتناص المرشح الأكثر إبهاراً بسيرته الذاتية، بل تبحث عن "الملائم تماماً" للمنصب، وعن مدى قدرة هذا الفرد على تقوية وتكامل الفريق من حوله.

الموهبة تفوز بالمباريات، والتوازن يفوز بالبطولات

عمق التشكيلة أهم من"النجومية المطلقة"

نادراً ما تُحسم بطولات كأس العالم بالتشكيلة الأساسية وحدهم. فالإصابات تقع، والإرهاق يتراكم، وزخم المباراة يتبدل؛ وهنا يتكئ المدير الفني على بدلاء "دكة الاحتياط" لقلب الموازين في الأوقات الحرجّة. والفرق الناجحة هي التي تُعد هؤلاء اللاعبين لتلك اللحظات الفاصلة قبل حدوثها بوقت طويل.

في المقابل، لا تزال العديد من المؤسسات ترتهن كلياً لعدد قليل من الأشخاص الرئيسيين. وعندما يغادر أحدهم أو يعجز عن العطاء، يرتد الأثر سلباً على مفاصل العمل بأكمله.

أما المؤسسات المرنة والمحصنة فترفع لواءً آخر؛ إذ تستثمر في خطط الخلافة الوظيفية، والتدريب التبادلي بين الأقسام، والتطوير المستمر. في بيئتها، تُنقل المعرفة وتُشاركها بدلاً من احتكارها، وتُكتشف قيادات المستقبل مبكراً وتُمنح فرص الصعود والتمكين.

إن الفرق الأقوى هي تلك التي لا يتوقف أداؤها على شخص واحد يحمل عبء المباراة بأكملها على عاتقه.

التوجيه والمواكبة يسبقان تقييم الأداء

يمضي مدربو النخبة في عالم كرة القدم وقتاً في تطوير اللاعبين وتنمية مهاراتهم أطول بكثير مما يقضونه في تقييمهم. فالحصص التدريبية، والتغذية الراجعة الفورية، والتحليل المرئي، والتواصل المستمر، كلها أدوات تصقل الأداء وتشكله قبل فترة طويلة من إطلاق صافرة البداية. إن التطوير هنا عملية مستدامة وليس مكافأة تُؤجل حتى نهاية الموسم.

بيد أن المؤسسات غالباً ما تمارس العكس تماماً؛ فتتحول التغذية الراجعة إلى طقس سنوي جامد، بينما يُتوقع من الموظف أن يتطور ذاتياً وعفوياً.

إن استراتيجيات المواهب الحديثة تتطلب تبني عقلية "المدرب والموجه". يتعين على المدراء تكريس مزيد من الوقت لمساعدة الكوادر على الارتقاء، واستكشاف الطاقات الكامنة، وخلق مسارات النمو. وتصبح حوارات الأداء أكثر فاعلية وجدوى عندما تكون نهجاً مستمراً لا حدثاً موسمياً عابراً.

تستفيد الفرق العظيمة من التطوير المتواصل، حيث يقوم التوجيه والمواكبة بتوجيه الأداء ورفع كفاءته بمرور الوقت.

ليس بالضرورة أن يلعب الجميع بنفس الأسلوب

تكمن إحدى أعظم نقاط القوة في كرة القدم في الإدراك الواعي بأن كل لاعب يقدم إضافة نوعية ومختلفة للملعب.

هناك من يبرع في هز الشباك، وآخر يتفوق في استخلاص الكرة واستعادة الاستحواذ. هناك من يقود بحكم الخبرة والحنكة، ومن يضفي السرعة والابتكار. ويولد النجاح من استيعاب هذه التباينات وتمكين الأفراد من اللعب في مناطق قوتهم.

وللأسف، تقع الكثير من المؤسسات في فخ مكافأة نمط واحد من الموظفين دون وعي، وتتوقع من الجميع التفوق بآلية متطابقة. لكن الثقافات المؤسسية القوية تدرك أن التميز يأتي في قوالب وأشكال شتى.

فبعض الأفراد يبرعون في بناء العلاقات الإنسانية، بينما يتألق آخرون في التحليل، وحل المشكلات، أو هندسة التنفيذ. إن التنوع في التفكير والقدرات يحصن المؤسسات، ويحول تعدد الرؤى والوجهات إلى ميزة تنافسية فارقة.

تنتصر الفرق عندما يستوعب كل لاعب أبعاد دوره ويؤديه باحترافية استثنائية، لتصب كل مساهمة فردية في تعزيز الجهد الجماعي وتقويته.

الضغوط تكشف الأنظمة والخطط

تختزل بطولة كأس العالم سنوات من العمل الشاق والتحضير في أسابيع معدودة، حيث تعمل الفرق تحت مجهر ورقابة لا ترحم، وتتضاعف فيها أصغر الأخطاء. وما يتضح جلياً وبسرعة فائقة هو أن الضغط يعري الأنظمة ويفحص متانتها؛ فالفرق القائمة على أسس منظومة متماسكة تتكيف وتمر، بينما تعاني الفرق المتمحورة حول الفردية وتترنح.

وعالم المال والأعمال يدار بالمنطق ذاته. فتقلبات الاقتصاد، والتحولات التكنولوجية المتسارعة، وتغير تطلعات القوى العاملة، أوجدت نسختها الخاصة من منافسات الإقصاء وشراسة البطولات. لا يمكن للمؤسسات أن تراهن فقط على العبقرية الفردية، بل هي بحاجة ماسة إلى منظومات عمل تمكن الأفراد من النجاح المشترك والعبور معاً.

ولعل هذا هو الدرس الأثمن والأكبر الذي تقدمه ساحة المستطيل الأخضر لقادة الموارد البشرية والرؤساء التنفيذيين على حد سواء:

إن الفرق التي تظفر بالفوز والنصر ليست بالضرورة تلك التي تمتلك الأسماء الأكثر شهرة، بل هي التي توظف بحكمة، وتطور بلا انقطاع، وتثق في كل دور، وتوفر بيئة حاضنة يغدو فيها أداء الأفراد مجتمعين أفضل بمراحل مما يمكن لأي منهم تحقيقه بمفرده.

هذا هو قانون اللعبة في الملعب، وهو ذاته قانون النجاح في قطاع الأعمال.

  • عن الكاتب: ماهيش شاهدادبوري، هو رئيس مجلس إدارة مجموعة تاسك للتوظيف، والتي تعد إحدى الشركات الرائدة في مجالات التوظيف، وتوفير الكوادر البشرية، وخدمات الموارد البشرية.
تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 5 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: