المستهلك أصبح أكثر تشككاً في رسائل الاستدامة
أصبح المستهلك أكثر تشككاً في رسائل الاستدامة، ولم تعد الشعارات تكفي، إذ تتطلب الثقة بيانات واضحة وادعاءات قابلة للإثبات والتحقق.
لم تعد الكلمات الخضراء تُقنع المستهلك بالسهولة نفسها التي كانت عليها قبل سنوات. فقد أصبحت عبارات مثل «صديق للبيئة» و«مستدام» و«طبيعي» و«محايد كربونياً» تظهر على عدد هائل من المنتجات والإعلانات، من الملابس ومستحضرات التجميل إلى الأغذية والسفر والخدمات المالية. لكن كثرة استخدامها لم تعزز الثقة، بل دفعت المستهلكين إلى التساؤل عمّا تعنيه فعلياً.
يعرف المستهلك اليوم أن تغيير لون العبوة إلى الأخضر أو وضع صورة شجرة عليها لا يجعل المنتج مستداماً. كما أصبح أكثر وعياً بأن الشركة قد تبرز إنجازاً محدوداً، مثل استخدام جزء من المواد المعاد تدويرها، بينما تتجاهل الأثر البيئي الأكبر المرتبط بالتصنيع أو النقل أو التخلص من المنتج.
هذا الوعي لا يعني أن الاستدامة فقدت أهميتها في قرارات الشراء. لكنه يعني أن المستهلك لم يعد مستعداً لقبول الادعاءات العامة من دون تفسير أو دليل. وكلما زادت الفجوة بين الخطاب والممارسة، تحولت رسالة الاستدامة من ميزة تسويقية إلى سبب إضافي للشك.
كثرة الادعاءات الخضراء أضعفت الثقة
تواجه الشركات اليوم مشكلة صنعتها السوق نفسها. فمع ارتفاع اهتمام الناس بالقضايا البيئية، سارعت علامات تجارية كثيرة إلى إدخال الاستدامة في حملاتها، حتى عندما لم تكن تملك بيانات كافية لإثبات ما تقوله.
وتشير المفوضية الأوروبية إلى أن 53% من الادعاءات البيئية التي خضعت للدراسة كانت غامضة أو مضللة أو غير قائمة على أساس واضح، بينما افتقر 40% منها إلى أدلة داعمة. كما أن نصف الملصقات البيئية تقريباً كان يعتمد على آليات تحقق ضعيفة أو غير موجودة، في سوق أوروبية تضم مئات الملصقات المختلفة.
عندما يواجه المستهلك هذا العدد من الشعارات والتصنيفات، يصبح من الصعب عليه التمييز بين شركة أجرت تغييراً حقيقياً وأخرى اكتفت بتعديل رسالتها الإعلانية. ومع تكرار التجارب المضللة، يمتد الشك إلى الادعاءات الصادقة أيضاً.
وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، عبّر نحو نصف المشاركين في مسح أُجري عام 2024 عن عدم ثقتهم بالادعاءات البيئية. كما أظهرت بيانات سابقة شملت تسع دول أن 49% من المستهلكين شعروا بأنهم لا يملكون المعلومات اللازمة للتحقق من ادعاءات الاستدامة، بينما أبدى 44% تشككاً فيها.
الكلمات العامة فقدت قدرتها على الإقناع
تكمن إحدى أكبر مشكلات رسائل الاستدامة في استخدام كلمات واسعة لا تقدم معنى يمكن قياسه. فعندما تصف شركة منتجاً بأنه «أخضر»، لا يعرف المستهلك ما إذا كان المقصود خفض استهلاك الطاقة، أو استخدام مواد معاد تدويرها، أو تقليل الانبعاثات، أو مجرد تغيير في التغليف.
وتحذر هيئة المنافسة والأسواق البريطانية من الادعاءات العامة مثل «طبيعي» و«أخضر» و«صديق للبيئة»، لأنها قد تترك مساحة واسعة للتفسير من دون تقديم معلومات تشرح الفائدة البيئية الحقيقية. كما توضح أن الادعاء قد يكون صحيحاً من الناحية الحرفية، لكنه يظل مضللاً إذا أعطى انطباعاً أكبر من الأثر الفعلي للمنتج.
فقد تقول شركة إن عبوتها مصنوعة من مواد معاد تدويرها، بينما لا تمثل هذه المواد إلا نسبة صغيرة منها. وقد تروج علامة تجارية لمجموعة محدودة من المنتجات المستدامة بطريقة توحي بأن عملياتها بأكملها أصبحت مستدامة.
هذه الصياغات لم تعد تمر بسهولة. المستهلك المتشكك يريد معرفة النسبة، ونقطة المقارنة، والفترة الزمنية، والجزء الذي يشمله الادعاء، والجهة التي تحققت منه.
المستهلك يريد الاستدامة لكنه لا يثق دائماً بمن يبيعها
لا ينبع التشكيك من رفض القضايا البيئية، بل من صعوبة تقييم المعلومات المقدمة. فقد يرغب المستهلك في شراء منتج أقل ضرراً، لكنه لا يملك الوقت أو الخبرة لتحليل دورة حياة المنتج أو مراجعة مئات الشهادات والملصقات.
وأظهرت دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية شملت نحو 37 ألف مستهلك في 40 دولة أن الاهتمام بالادعاءات المرتبطة بالمنتجات الطبيعية والمحلية والعضوية والصديقة للبيئة يظل مرتفعاً. لكنها وجدت أيضاً أن الثقة تؤدي دوراً أساسياً في استعداد المستهلك لدفع سعر أعلى مقابل منتج يحمل ادعاءً متعلقاً بالاستدامة.
وهنا تظهر المعضلة التجارية. قد يمتلك المنتج المستدام تكلفة أعلى بسبب المواد أو طرق الإنتاج، لكن الشركة لن تستطيع تمرير هذه التكلفة إلى المستهلك إذا لم يثق بأن الفرق حقيقي.
لذلك لم تعد المشكلة في إقناع الناس بأهمية الاستدامة فقط، بل في إقناعهم بأن المنتج يحقق بالفعل ما يعد به.
وسائل التواصل جعلت الادعاءات أسرع انتشاراً وأسهل انكشافاً
منحت وسائل التواصل الاجتماعي الشركات قدرة واسعة على نشر رسائل الاستدامة، لكنها منحت المستهلكين أيضاً أدوات للتدقيق والمقارنة والاعتراض.
يمكن لحملة مصممة بعناية أن تنتشر خلال ساعات، لكن صورة من مصنع أو تقرير مستقل أو تحقيق صحفي قد يكشف تناقضاً بين الرسالة والواقع بالسرعة نفسها. كما يستطيع المستهلك مقارنة ادعاء الشركة ببياناتها السابقة، أو البحث عن مكونات المنتج، أو الاطلاع على تجارب موظفين وموردين.
هذا التحول جعل إدارة السمعة أكثر تعقيداً. فالشركة لم تعد تتحكم وحدها في روايتها، ولا تستطيع فصل الإعلان عن أدائها التشغيلي. وقد يؤدي اكتشاف مبالغة في ادعاء واحد إلى التشكيك في بقية الرسائل، حتى لو كانت بعضها دقيقة.
التضليل الأخضر يضر بالشركات الجادة أيضاً
لا تقتصر أضرار التضليل الأخضر على الشركة التي تمارسه. فعندما تتراجع الثقة العامة، تجد الشركات التي استثمرت فعلياً في تحسين عملياتها صعوبة أكبر في إقناع العملاء بأنها مختلفة.
وترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الادعاءات المضللة تجعل من الصعب على المستهلكين تحديد الشركات التي تبذل جهوداً بيئية حقيقية. وقد يقلل ذلك الميزة التنافسية التي يفترض أن تحصل عليها هذه الشركات، ويضعف الحافز على الاستثمار في التحسينات البيئية.
وبذلك تتحول المبالغة التسويقية إلى مشكلة في السوق بأكمله. فالمنتج الذي يقدم ادعاءً غير موثق قد ينافس منتجاً أكثر استدامة بسعر أقل، لأنه لم يتحمل تكلفة التغيير الحقيقي.
القواعد الجديدة ترفع تكلفة الادعاءات غير الدقيقة
يتجه التنظيم في عدد من الأسواق إلى معاملة الادعاءات البيئية باعتبارها معلومات تجارية يجب إثباتها، وليس مجرد لغة إعلانية.
وتحظر قواعد الاتحاد الأوروبي الجديدة الادعاءات البيئية العامة، مثل وصف المنتج بأنه «أخضر» أو «صديق للبيئة»، عندما لا تستطيع الشركة إثبات أداء بيئي معترف به ومرتبط بهذا الوصف. كما تستهدف القواعد شعارات الاستدامة غير الموثوقة والممارسات التي تقدم معلومات مضللة عن عمر المنتج أو قابليته للإصلاح.
وفي يناير 2026، نشرت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية إرشادات إضافية توضح مسؤولية الشركات عن الادعاءات البيئية عبر سلسلة التوريد. وهذا يعني أن الشركة لا تستطيع الاعتماد ببساطة على معلومة قدمها المورد من دون إجراء مراجعة معقولة لها.
لم يعد الخطأ في رسالة الاستدامة يهدد السمعة فقط، بل قد يؤدي إلى تحقيقات تنظيمية وتعديل الإعلانات وسحب الادعاءات وتحمل تكاليف قانونية.
استعادة الثقة تبدأ من التفاصيل
لا تحتاج الشركة إلى استخدام لغة مثالية، بل إلى تقديم معلومات محددة. فالقول إن «العبوة تحتوي على 50% من البلاستيك المعاد تدويره» أكثر مصداقية من وصفها بأنها «عبوة مستدامة».
ويجب أن توضح الشركة ما يشمله الادعاء وما لا يشمله، وما الفترة المستخدمة للمقارنة، وكيف جرى حساب النتيجة. كما ينبغي تجنب عرض تحسن صغير بطريقة تخفي أثراً أكبر في جزء آخر من دورة حياة المنتج.
وتزداد المصداقية عندما تنشر الشركة أهدافاً مرحلية ونتائج فعلية، وتعترف بالمجالات التي لم تحقق فيها تقدماً كافياً. فالمستهلك لا يتوقع بالضرورة أن تصبح المؤسسة بلا أثر بيئي، لكنه يريد منها ألا تتعامل معه وكأنه لن يلاحظ التناقض.
الإثبات أصبح أقوى من الرسالة الإعلانية
دخلت رسائل الاستدامة مرحلة جديدة. لم يعد النجاح يعتمد على صياغة أكثر عاطفية أو صورة أكثر خضرة، بل على قدرة الشركة على تقديم ادعاء بسيط ومحدد ومدعوم ببيانات يمكن التحقق منها.
المستهلك لم يتوقف عن الاهتمام بالاستدامة، لكنه أصبح أقل استعداداً لمنح ثقته مجاناً. وهو يقارن بين ما تقوله الشركة وما تفعله، وبين حجم الادعاء وحجم التغيير الحقيقي.
لذلك ستتفوق الشركات التي تجعل الدليل جزءاً من المنتج والاتصال، لا تلك التي تضع الاستدامة كطبقة تسويقية فوق عمليات لم تتغير. ففي سوق امتلأت بالوعود الخضراء، أصبحت المصداقية نفسها مورداً نادراً، والشركات التي تحافظ عليها ستمتلك ميزة يصعب على الإعلان وحده شراؤها.
-
الأسئلة الشائعة
- 1. لماذا أصبح المستهلك أكثر تشككاً في رسائل الاستدامة؟ لأن انتشار الادعاءات البيئية غير الدقيقة والمبالغ فيها جعل المستهلكين يطالبون بأدلة واضحة وبيانات موثوقة قبل تصديق أي رسالة تتعلق بالاستدامة.
- 2. كيف يمكن للشركات استعادة ثقة المستهلكين في ادعاءات الاستدامة؟ من خلال تقديم معلومات قابلة للتحقق، والابتعاد عن العبارات العامة، والإفصاح بشفافية عن النتائج الفعلية للمبادرات البيئية والاجتماعية.