بين الطائرات والاجتماعات الميدانية: كيف تتّخذ قرارات حاسمة في زمن التقلبات؟
بين متابعة الأخبار العالميّة وإدارة مشاريع التّصميم الدّاخلي في دبي، تعلمت أنّ التّواجد الشّخصيّ في المواقع واتّخاذ القرارات الفوريّة يصنع الفرق في أوقات عدم اليقين
خلال الأسابيع الماضية، كنتُ أحاول إدارة استوديو "رور" (Roar) للهندسة المعماريّة والتّصميم الدّاخليّ في دبي، بينما كنتُ أتابع بشغفٍ موقع Flightradar24، وأتقصّى آخر التّحديثات من الهيئة الوطنيّة لإدارة الطّوارئ والأزمات والكوارث (NCEMA)، وأكتب على غوغل "أحدث أخبار حرب إيران"، كما لو أنّ بحثاً واحداً إضافيّاً قد يمنحني اليقين المفقود.
في لحظةٍ كان كلّ شيءٍ يسير كالمعتاد، ثم فجأةً أُلغيت اجتماعات المواقع، وأُلغيت رحلةً بالسّيارة إلى أبوظبي، وامتلأ هاتفي بالتّنبيهات المتواصلة. وبعد عشر دقائق فقط، تغيّرت الصّورة بالكامل؛ فقد طلب مني أحد العملاء في شيكاغو التّواجد في الموقع لتسليم المشروع، بينما أراد مشروعٌ في بوسطن بدء لقاءٍ تعريفيٍّ شخصيٍّ. أصبح السّؤال واضحاً وبسيطاً بسرعةٍ فائقةٍ: هل أبقى في مكاني أم أقلع بالطّائرة؟ بعد نقاشٍ مع زوجي وبضع مكالماتٍ قلقةٍ من والديّ، اتّخذت قرار الصّعود على متن الطائرة، والآن، مع استرجاع الأحداث، يبدو أنّ هذا القرار كان الخيار الصّحيح.
لقد مارست هذا العمل لمدّة 23 عاماً، وقد ذكّرني تسليم مشروع شيكاغو بأنّ الميل الأخير هو ما يصنع الفارق. يمكن أن تمضي عامين كاملين في مشروعٍ، تنسّق، تحلّ المشكلات عبر الشّاشة، وتجادل حول التّفاصيل في المكالمات، لكن عندما يصبح ملموساً على أرض الواقع، يصبح هذا الجزء الأخير هو الجوهر الحقيقيّ. فعمليّة ضبط التفاصيل، ووضع الأعمال الفنيّة، والتّجوّل في الموقع، وتعديل ما بدا مثاليّاً على الورق لكنّه يختلف عند التّنفيذ، تمثّل جوهر العمل الفعليّ، وليس مجرّد عنصرٍ اختياريٍّ، لأيّ مصممٍ.
أمّا مشروع بوسطن فقد حمل أهميّةً مختلفةً؛ ففي مثل هذه اللّحظات، يبعث الحضور الشّخصيّ برسالةٍ واضحةٍ. نحن شركةٌ مقرّها دبي تعمل على نطاقٍ دوليٍّ، ولم أرغب في أن يشكّك العملاء فيما إذا كان الاستعانة باستوديو من هذه المنطقة أصبح مخاطرةً فجأةً. فالتّواجد الشّخصيّ في الغرفة لا يزال يحتفظ بأهميّته. لقد أثبتت أزمة كوفيد-19 أنّ أدوات اجتماعات الفيديو -مثل زووم- قادرةٌ على إبقاء العمل مستمرّاً، لكنّها في الوقت نفسه برهنت على أنّها لا تستطيع أن تحلّ محلّ التّواصل البشريّ المباشر.
وسط كلّ هذا، خضتُ حواراً عشوائيّاً تماماً في أحد المقاهي، وتحوّل لاحقاً إلى فرصة عرضٍ محتملةٍ في لشبونة، وقد جهّزتها خلال عطلة عيد الفطر. ومن الملاحظ والمزعج في الوقت نفسه، أنّ هذا هو الواقع الفعليّ لتطوير الأعمال: يمكنك أن تمضي أسابيع في إعداد عرضٍ استراتيجيٍّ محكمٍ، بينما محادثةٌ واحدةٌ نصف نشطةٍ بسبب الكافيين، ومثقلةٌ بإرهاق اختلاف التّوقيت، قد تكون فعّالةً أكثر من عشرين رسالة بريدٍ إلكترونيٍّ مصمّمةٍ بعنايةٍ. يظلّ العالم يُدار على الكيمياء الشّخصيّة وقوة التّواصل البشريّ.
يقارن كثيرون اللّحظة الّتي تعيشها الإمارات والمنطقة الأوسع بما شهده العالم خلال أزمة كوفيد-19، وبينما أفهم هذا المنطق، لا أعتقد أنّ الأمر ذاته ينطبق. فقد كانت الجائحة جماعيّةً؛ الجميع يمرّ بنفس التّجربة، والجميع يعيش نفس الكابوس. أمّا ما نواجهه الآن، فيبدو متبايناً وغير متساوٍ في تأثيره. ومع ذلك، حتّى لو وُصف بأنّه مسألةٌ جيوسياسيّةٌ إقليميّةٌ، فإنّ الارتفاع الحادّ في أسعار النّفط عالميّاً يثبت أن ما بدا في البداية مشكلةً تخصّ الآخرين، يمكن أن يتحوّل فجأةً إلى شعورٍ بأنّه أصبح مشكلتك أنت أيضاً.
داخل استوديو رور، لا يكمن التّحدّي الحقيقيّ في الجغرافيا السّياسيّة بقدر ما يكمن في إدارة الفريق. فقد عبّر بعض أعضاء فريقي عن شعورهم بعدم الارتياح للّسفر أو التواجد في مواقع العمل داخل الإمارات، وهو شعور أقدّره تماماً؛ فقبل أن أكون صاحبة مشروع، أنا إنسان. الخوف شعورٌ طبيعيٌّ، لكنّ الأمر نفسه ينطبق على الالتزامات الماليّة، فالرّواتب تعتمد على الأعمال المنجزة بعد توقيع العقود.
ولتوضيح السّياق، تمثّل هذه المرحلة مرحلة التّنفيذ بعد اعتماد التّصاميم وتشغيل المواقع، وتشمل عمليّات التّفتيش، وتنسيق المقاولين، ومراجعة الرّسومات التّنفيذيّة، ومعالجة العيوب، والتّصميم النّهائيّ للمساحات، والحصول على الموافقات الرّسميّة، وتصحيح الأخطاء الّتي حدثت أثناء البناء.
لدينا حاليّاً ثلاثون مشروعاً قيد التّنفيذ، وزيارات المواقع وتسليم الأعمال ومراجعات المقاولين ليست مجرّد مهامٍّ اختياريّةٍ، بل هي أعمالٌ مدفوعة الأجر وتضمن استمرار سير المشاريع. لذلك، من غير المعقول تحميل كامل عبء العمل عليّ وعلى شخصٍ واحدٍ آخرٍ، بينما يبقى باقي الفريق في المنازل ويتقاضون رواتبهم كاملةً. وهذا يمثّل رؤيًة أحاديّةً لمفهوم التّعاطف، إذ يقتصر على اتّجاهٍ واحدٍ فقط.
في نهاية المطاف، كان عليّ أن أطرح بصراحةٍ ما قد يبدو صعباً: إذا شعر أيّ عضوٍ في الفريق بعدم الأمان أثناء السّفر أو أداء المهامّ الميدانيّة المتعلّقة بدوره، فقد يكون من الضّروريّ أن يتم التّطرّق إلى بدائل مثل الإجازة السّنويّة أو الإجازة غير مدفوعة الأجر. ولم يتقبّل الجميع هذا الأمر بسهولةٍ.
ومع ذلك، القيادة ليست مجرّد اجتماعاتٍ للتّخطيط الاستراتيجيّ أو عباراتٍ جذّابةٍ في البودكاست؛ ففي كثير من الأحيان، تكون سلسلةً متواصلةً من المحادثات الصّعبة، لأنّ الأعمال لا يمكن أن تستمرّ بالمعنويات الإيجابيّة وحدها.
عادةً ما يكون شهر أبريل موسم مراجعة الرّواتب بالنّسبة لنا، وغالباً ما يعني ذلك زيادةً في الأجور. هذا العام، ربّما تكون الصّورة مختلفةً؛ فقد اضطررنا بالفعل إلى توضيح ذلك، وليس من المستغرب أن يلقى هذا القرار بعض الاستياء وعدم الرّضا من الفريق.
أفهم تماماً الموقف. لا أحد يرغب في سماع احتمال تأجيل زيادة الرّواتب، خصوصاً بعد الجهد الكبير الّذي بذله الفريق، ومع ارتفاع تكاليف المعيشة المستمرّ. لكنّني عايشتُ مواقف مشابهةً من قبل، فخلال أزمة كوفيد-19، اضطررنا لإجراء تخفيضاتٍ ماليّةٍ، ومع ذلك، وبنهاية ذلك العام، حققّنا أداءً استثنائيّاً، وقد تم سداد كلّ درهمٍ مستحقٍّ. الأفراد الّذين بقوا معنا يعلمون تماماً أنّني لا أتّخذ مثل هذه القرارات باستخفافٍ، وعندما تتحسّن الظّروف، نكون منصفين تجاه الجميع.
في الأوقات الّتي تتّسم بالتّقلّب وعدم اليقين، تصبح القرارات الفوريّة ضرورةً، ويجب التّعامل معها في اللّحظة الرّاهنة. لا أتوقّع من أيّ شخصٍ أن يعمل بنفس الطّريقة الّتي أعمل بها؛ بالطّبع لا، فالشّركة ليست ملكاً لهم، وهم لا يتحمّلون نفس المخاطر، ولا يستفيدون من نفس المكافآت المحتملة.
لكن من الواجب على كلّ فردٍ أن يؤدّي عمله بما يتناسب مع الدّور الّذي يتقاضى مقابله الأجر، وهذا ليس مجرّد قسوة أو تشدّد منّي، بل هو التزامٌ بالعقد وبالواجب المهنيّ الّذي يضمن استمرار العمل وتحقيق النّتائج
أعرف نفسي بما يكفي لأدرك كيف تؤثّر عليّ حالة عدم الاستقرار؛ فأنا لا أتوقّف، بل أدخل في حالةٍ من النّشاط المفرط، أتحوّل فيها إلى نمطٍ عمليٍّ مكثّفٍ: أعدّ القوائم، وأخطط للسّيناريوهات، وأسعى إلى ترتيب كلّ شيءٍ بدقّةٍ. بعض ذلك مفيدٌ بالفعل، لكن بعضه الآخر مرهقٌ، ويتسرّب إلى حياتي الأسريّة ويؤثّر في قدرتي على أن أكون إنسانةً عاديّةً لخمس دقائق فقط. ويُضاف إلى ذلك التّعليم المنزليّ لطفلين مراهقين قد يقضيان وقتهما في الألعاب بين الحصص إذا أُتيحت لهما الفرصة. يا لها من تركيبةٍ حياتيّةٍ صغيرةٍ ومكثّفةٍ!
في الوقت نفسه، لا ينتظر العملاء حتّى تنتهي عمليّة التّعامل العاطفيّ لدينا. المشاريع قائمةٌ، ومواعيد الافتتاح حقيقيّةُ؛ فلا يمكن للفندق أن يُفتتح نصف افتتاحٍ، والتّسليم لا يحدث نظريّاً. عمليّات التّدقيق النّهائيّة، وترتيب الأعمال الفنيّة، وإغلاق المشروع، كلّ ذلك لا يزال يجب أن يحدث. نعم، التّصميم ليس جراحة قلبٍ مفتوحٍ، لكنّه يحمل عواقب تجاريّةً؛ فالتّأخيرات تكلّف المال.
الأمر الغريب في التّصميم الدّاخليّ في مثل هذه اللّحظات هو أنّه يجمع بين كونه رفاهيّةً ووظيفةً تجاريّةً جادّةً في الوقت نفسه. لا أحد يعتبر التّصميم الدّاخليّ الفاخر خدمةً أساسيّةً، لكن هذه الصّناعة مرتبطةٌ بالإيرادات والجداول الزّمنيّة والتّأجير والعلامة التّجاريّة وتجربة الضيوف. لذلك، نعم، صناعتنا معرضّةٌ للخطر، لكن هل هي تافهةٌ؟ ليس تماماً.
كان حدسي الأوّل أنّ أيّ تباطؤ في الأعمال المحليّة يمكن أن تعوّضه مشاريعنا الدّوليّة، خصوصاً أنّ نحو 40% من مشاريعنا يقع خارج دولة الإمارات. لكن هذا الافتراض لم يصمد سوى خمس دقائق فقط؛ فبمجرّد أن تتحرّك أسعار النّفط ويتراجع مستوى الثّقة، يبدأ العملاء في كلّ مكانٍ بإعادة النّظر في ميزانيّاتهم، سواء في بالي أو بوسطن أو مومباي؛ لا فرق. وفي عالمنا، غالباً ما يكون التّصميم الفاخر أوّل بندٍ يقرّر النّاس تأجيله.
وهذا هو الجزء المقلق. في لحظةٍ، أكون على متن الطّائرة، وكلّ شيءٍ يبدو غريباً لكنّه طبيعيٌّ بطريقةٍ ما. وفي اللّحظة التّالية، أفتح بريدي الإلكترونيّ لأجد مشروعاً مُعلّقاً. وللإنصاف، المشاريع تتوقّف أحياناً؛ إذ تتغيّر مصادر التّمويل، أو يختفي بعض العملاء مؤقّتاً، وما إلى ذلك. لكن في لحظةٍ متقلّبةٍ كهذه، كلّ عثرةً تنبّه الجهاز العصبيّ.
هكذا تبدو هذه الفترة في الواقع. كلمةٌ واحدةٌ تصفها: التّقلّب المفاجئ. فالأعمال تسير كالمعتاد، ثم فجأةً لا يعود شيءٌ على حاله. قرارٌ تتّخذه بثقةٍ، يعقبه مباشرةً تردّدٌ وإعادة تفكير. تحاول في الوقت نفسه طمأنة فريقك، وتهدئة عملائك، وحماية التّدفّقات النّقديّة، والحفاظ على قدرٍ من الاتّزان الذّهنيّ، بينما تتقلّب الأخبار كما يتقلّب طقس دبي في مارس: مطرٌ في لحظةٍ، وصفاءٌ في اللّحظة التّالية.
ومع ذلك، يستمرّ العمل؛ فالاقتصاد لا يتحرّك إلى الأمام إذا توقّف الجميع دفعةً واحدةً. لا بدّ من شخصٍ يستقلّ الطّائرة، ويتفقّد المواقع، ويجري المكالمات الصّعبة، ويحافظ على الرّواتب، ويهدّئ العملاء، ويواصل إبقاء المنظومة بأكملها قيد التّشغيل.
قد لا يكون ذلك برّاقاً، لكنّه حقيقيٌّ كما هو الواقع تماماً.
حول المؤلفة
بالافي دين (Pallavi Dean) هي المؤسِّسة والمديرة الإبداعيّة لاستوديو رور (Roar)، وهو استوديو للهندسة المعماريّة والتّصميم الدّاخليّ حائزٌ على جوائز، ويتّخذ من دبي في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة مقرّاً له.