إطلاق أول صاروخ مداري خاص في الهند يفتح سباقاً على اقتصاد فضائي بـ44 مليار دولار
إطلاق Vikram-1 يمنح الهند أول رحلة مدارية خاصة، ويفتح المنافسة أمام الشركات الناشئة لبناء اقتصاد فضائي بقيمة 44 مليار دولار بحلول 2033.
دخل القطاع الفضائي الهندي مرحلة جديدة بعد نجاح شركة Skyroot Aerospace في إطلاق Vikram-1، أول صاروخ مداري تطوره شركة خاصة في البلاد، في خطوة تنقل الشركات الهندية من اختبار التقنيات الفضائية إلى المنافسة الفعلية على سوق الإطلاقات التجارية.
انطلق الصاروخ من مركز ساتيش داوان الفضائي في سريهاريكوتا، ونجح بعد نحو 15 دقيقة في وضع حمولاته داخل مدار منخفض حول الأرض على ارتفاع 450 كيلومتراً. وجعل هذا الإنجاز الهند ثالث دولة تتمكن فيها شركة خاصة من الوصول إلى المدار، بعدما كانت عمليات الإطلاق الفضائي الهندية حكراً لعقود على المؤسسات الحكومية.
ولا يمثل نجاح المهمة إنجازاً تقنياً لشركة واحدة فقط، بل اختباراً لخطة اقتصادية أوسع تستهدف رفع قيمة قطاع الفضاء الهندي من نحو 8 مليارات دولار حالياً إلى 44 مليار دولار بحلول 2033. وتراهن الحكومة على الشركات الناشئة لجذب الاستثمارات وتطوير الصواريخ والأقمار الاصطناعية والخدمات المرتبطة بالبيانات الفضائية.
Vikram-1 ينجح في أول محاولة مدارية
أطلقت Skyroot على الرحلة اسم «Mission Aagaman»، وحمل الصاروخ عدداً من الحمولات التجارية والتجارب المصممة للعمل داخل المدار. وأكدت منظمة أبحاث الفضاء الهندية أن القمرين SCOPE وGrahaa وُضعا بنجاح في مدار منخفض حول الأرض، بينما بقيت حمولات أخرى على المرحلة العليا لإجراء تجارب فضائية.
يبلغ ارتفاع Vikram-1 نحو 22 متراً، وصُمم لنقل حمولات يصل وزنها إلى 350 كيلوغراماً إلى المدار الأرضي المنخفض. ويتكون من 4 مراحل، تشمل 3 مراحل تعمل بالوقود الصلب، إضافة إلى وحدة تعمل بالوقود السائل لضبط المدار.
وتستخدم الوحدة العليا محركاً مصنوعاً بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، ما يساعد على تقليل عدد المكونات ووقت التصنيع وتكاليف الإنتاج. واختبرت الرحلة أيضاً أنظمة الدفع والملاحة والتوجيه والاتصالات والتحكم، تمهيداً للانتقال إلى عمليات إطلاق تجارية منتظمة.
وعلى الرغم من نجاح المهمة، أوضحت Skyroot أن الرحلة لا تزال اختبارية، وأنها تعتزم تنفيذ رحلات إضافية قبل بدء برنامج الإطلاق التجاري الروتيني. ويعكس ذلك أن الوصول إلى المدار لا يمثل سوى الخطوة الأولى، إذ تحتاج الشركة إلى إثبات قدرتها على تكرار الإطلاقات وفق جداول منتظمة وبتكاليف قابلة للمنافسة.
شركة ناشئة تتحول إلى أول «يونيكورن» فضائي في الهند
تأسست Skyroot Aerospace في مدينة حيدر آباد عام 2018، على يد مهندسين سابقين عملوا لدى منظمة أبحاث الفضاء الهندية. واستفادت الشركة من الخبرات الهندسية المتراكمة داخل البرنامج الحكومي، لكنها بنت نموذجاً تجارياً يستهدف إطلاق الأقمار الاصطناعية الصغيرة للعملاء المحليين والدوليين.
وأصبحت Skyroot خلال 2026 أول شركة فضائية خاصة في الهند تصل قيمتها إلى مليار دولار، ما منحها صفة «يونيكورن». ويعكس هذا التقييم ارتفاع اهتمام المستثمرين بقطاع الفضاء، الذي أصبح يجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والخدمات التجارية طويلة الأجل.
وسبق للشركة إطلاق الصاروخ Vikram-S في نوفمبر 2022 ضمن رحلة شبه مدارية، ليصبح أول صاروخ خاص يصل إلى الفضاء من الأراضي الهندية. ومهد الاختبار لتطوير Vikram-1، الذي انتقل بالشركة من إثبات قدرة المحركات إلى وضع أقمار اصطناعية داخل المدار.
وتحاول Skyroot بناء عائلة من الصواريخ القادرة على خدمة العملاء الذين لا يحتاجون إلى المركبات العملاقة. ويركز هذا النموذج على الأقمار الصغيرة المستخدمة في الاتصالات ومراقبة الأرض والزراعة وإدارة الكوارث والمناخ والخدمات الأمنية.
تحرير القطاع يفتح السوق أمام الشركات
فتحت الهند قطاع الفضاء أمام الاستثمار الخاص في 2020، بعدما كانت عمليات تطوير الصواريخ والأقمار وخدمات الإطلاق تدار بصورة شبه كاملة عبر الحكومة. وسمحت الإصلاحات للشركات الخاصة ببناء مركبات الإطلاق وتشغيل الأقمار وتقديم الخدمات الفضائية بصورة تجارية.
كما أنشأت الحكومة منظومة لتنظيم مشاركة القطاع الخاص وتسهيل وصوله إلى البنية التحتية الحكومية. وحصلت Skyroot على دعم من منظمة أبحاث الفضاء الهندية ووكالة IN-SPACe، شمل استخدام منشآت اختبار المحركات وتصنيع بعض المكونات وإطلاق الصاروخ من مركز سريهاريكوتا.
ويقدم هذا النموذج صيغة تجمع بين خبرة الدولة وسرعة الشركات الناشئة. فبدلاً من بناء جميع مرافق الإطلاق والاختبار من الصفر، تستطيع الشركات الاستفادة من البنية التحتية الحكومية، بينما تركز استثماراتها على تطوير التقنيات وجذب العملاء وخفض التكاليف.
ولا يهدف هذا التعاون إلى استبدال البرنامج الفضائي الحكومي، بل إلى تحريره من تنفيذ جميع المهام التجارية. ويمكن لمنظمة أبحاث الفضاء الهندية التركيز على المهمات العلمية والاستراتيجية، بينما تتولى الشركات عمليات إطلاق الأقمار الصغيرة والخدمات التي يمكن تحويلها إلى نشاط ربحي.
سوق الأقمار الصغيرة يشعل المنافسة
يتزامن إطلاق Vikram-1 مع توسع عالمي في استخدام الأقمار الاصطناعية الصغيرة. فقد أدى انخفاض تكلفة تصنيع الأقمار وتطور المكونات الإلكترونية إلى تمكين الشركات والجامعات والحكومات من بناء أقمار أصغر وأكثر تخصصاً.
لكن أصحاب هذه الأقمار يواجهون تحدياً عند استخدام الصواريخ الكبيرة، إذ يضطرون غالباً إلى مشاركة الرحلة مع حمولات أخرى والالتزام بمدار وموعد تحدده الجهة التي تملك الحمولة الرئيسية. وهنا تحاول شركات مثل Skyroot تقديم إطلاقات أكثر مرونة تسمح للعميل باختيار المدار والموعد المناسبين.
ومع ذلك، ستكون المنافسة صعبة. فقد خفضت SpaceX تكلفة إطلاق الأقمار الصغيرة عبر رحلات مشاركة الحمولة، بينما تطور شركات في الولايات المتحدة وأوروبا والصين واليابان صواريخ تستهدف الشريحة نفسها.
لذلك لن يكون السعر العامل الوحيد في نجاح Skyroot. ستحتاج الشركة إلى تقديم سجل موثوق من الإطلاقات، وتقليل الوقت بين حجز الرحلة وتنفيذها، وتوفير مرونة في اختيار المدارات، إضافة إلى بناء شبكة عملاء تضمن استمرار الطلب.
الهند تراهن على اقتصاد فضائي بـ44 مليار دولار
تستهدف الهند زيادة قيمة اقتصادها الفضائي إلى 44 مليار دولار بحلول 2033، مقارنة بنحو 8 مليارات دولار حالياً. ويتطلب الوصول إلى هذا الرقم توسيع النشاط خارج إطلاق الصواريخ ليشمل تصنيع الأقمار، والاتصالات، والملاحة، والتأمين، وتحليل الصور والبيانات الفضائية.
وتكمن القيمة الاقتصادية الكبرى في الخدمات التي تبنى على البيانات القادمة من الفضاء. فصور الأقمار يمكن استخدامها لتحسين الإنتاج الزراعي، ومراقبة البنية التحتية، وإدارة الموارد المائية، وتتبع السفن، وتقييم المخاطر، ومتابعة التغيرات المناخية.
كما قد يساعد نجاح الشركات الخاصة الهند على جذب عملاء من الدول التي لا تملك برامج إطلاق محلية، خصوصاً في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. وتستطيع الهند المنافسة عبر خبرتها الهندسية وتكاليفها التشغيلية الأقل مقارنة بعدد من الأسواق الغربية.
يمثل إطلاق Vikram-1 بداية مرحلة تجارية أكثر من كونه نهاية سباق تقني. فقد أثبتت Skyroot قدرتها على الوصول إلى المدار، لكن نجاحها الاقتصادي سيعتمد على تحويل هذا الإنجاز إلى رحلات متكررة وعقود وإيرادات.
وإذا نجحت الهند في بناء منظومة تضم شركات إطلاق ومصنعي أقمار ومقدمي خدمات بيانات، فقد تتحول من قوة فضائية حكومية إلى مركز عالمي للأعمال الفضائية. عندها لن يكون هدف الـ44 مليار دولار مجرد رقم، بل نتيجة لصناعة جديدة تتشكل حول السماء.