التنمية

ما الذي يمكن تعلُّمه من طائرة صغيرة حطّت على سطح المريخ؟

الجواب يتلخص في كلمة واحدة: "الفطنة"

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

على بُعدِ مئاتِ الملايينِ من الأميالِ عن الأرضِ، صندوقٌ صغيرٌ يزنُ أربعةَ أرطالٍ من الإلكترونيّاتِ يعملُ بجدٍّ لكتابةِ التّاريخِ: "إنجينيوتي" Ingenuity، مروحيّةٌ صغيرةٌ ذاتيّةُ القيادةِ جرى إطلاقُها إلى المريخِ في عام 2020، وقامت الآنَ بتشغيلِ شفراتِها الصّغيرةِ للمرّةِ السّبعين قاطعةً مسافةً تبلغُ 850 قدماً؛ حيثُ التقطت صوراً لسطحِ الكوكبِ الصّخريّ الأحمر طوالَ رحلتِها، ويعدُّ عمرُها المديدُ إنجازاً مذهلاً آخر لأوّلِ طائرةٍ تعملُ بإمكاناتِها الذاتيّةِ وتطيرُ على كوكبِ غيرِ الأرضِ، ومع ذلكَ، تتضمّنُ قصةُ إنجينيوتي أيضاً الكثير من الدّروسِ المفيدةِ للمؤسّساتِ الصّغيرةِ هنا على كوكبِها الأمّ. [1]  

طارت إنجينيوتي إلى المريخِ في عامِ 2020 باعتبارِ مهمّتها جزءاً من بعثةِ وكالةِ ناسا باستخدامِ مسبارِ "بيرسفيرانس" Perseverance. وتلكَ كانت إحدى البعثاتِ العلميّةِ التي خُطّط لها منذُ عقودٍ، وأنفقَ عليها بلايين الدّولاراتِ، وتنفذُها ناسا ببراعةٍ، لكن هذه المرّةَ بحثاً عن علاماتٍ على وجودِ حياةٍ منذُ زمنٍ طويلٍ على كوكبِ المريخِ، ومع ذلك، كانَ برنامجُ إنجينيوتي -الذي يديرُه مختبرُ الدّفعُ النّفاثِ (JPL) التّابعِ لوكالةِ ناسا في باسادينا في ولايةِ كاليفورنيا- فكرةً متأخّرةً بشكلٍ أو بآخرَ؛ إذ جرت الموافقةُ عليهِ وتمويلهِ بسرعةٍ، وأُنشئ في الوقتِ المناسبِ؛ ليلحقَ بمركبةِ بيرسفيرانس، لكن حتّى الفكرةُ برمّتها لاقت معارضةً، بما في ذلكَ اتّهاماتٌ بأنَّ إنجينيوتي قد "شغلت انتباهَ" العلماءِ عن مهامٍ أُخرى أكثرَ أهمّيةً خلالَ البعثةِ الرّئيسيّةِ للمركبةِ.

ولكنَّ كلَّ شيءٍ سارَ على ما يرام، وكانتِ الطّائرةُ الصّغيرةُ جاهزةً في الوقتِ المحدّدِ، ونظراً لأنَّ أحداً لم يسبق لهُ أن قادَ مروحيّةً على كوكبٍ آخرَ، وخاصّةً على كوكبٍ يتميّزُ بغلافٍ جويٍّ شديدِ الرّقةِ وعواصف غبارٍ عنيفة، كانَ من المقرّرِ أن تكونَ لـ (إنجينيوتي) خمسُ رحلاتٍ فقط -وهذا إذا نجت في الرّحلةِ الأولى، والآن، بعدَ 69 رحلةٍ، أثبتتِ الطّائرةُ أهمّيتَها مراراً وتكراراً.

شاهد أيضاً: الإمارات تشارك في بناء أول محطة فضائية على القمر وترسل رائد فضاء عربي

السرعة والفطنة

لم تعهد ناسا أن تُجري تحوّلاتٍ مفاجئةٍ وتقدَّمَ نتائجَ سريعةً، وهي مشكلةٌ تؤثِّرُ أيضاً على العديدِ من الشَّركاتِ الكبيرةِ، لكنّ إنجينيوتي كانت مختلفةً، على الرَّغم من أنَّ أفكاراً حول تحليقِ طائرةٍ مسيَّرةٍ على كوكبٍ آخرَ انبثقت في وقتٍ مبكرٍ، وجرى اختبارُها في عامِ 2015، إلّا أنَّ أوّلَ عمليّةِ ضخِّ أموالٍ فعليّةٍ لصالحِ إنجينيوتي حصلت في أوائلِ عامِ 2018، وبلغتْ 23 مليونَ دولارٍ من الميزانيّةِ الفيدراليّةِ، وبعدها، في مايو 2018، تمّ التَّوصُّلُ إلى أنَّهُ يمكنُ للبرنامجِ الانضمامُ إلى برنامجِ المريخِ 2020، ما أتاحَ مهلةً مدّتُها أقلُّ من عامينِ لتصميمِ الطّائرةِ الصّغيرةِ واختبارِها وعملِ نماذج أوليّةٍ منها وتحسينِها ومن ثمَّ بناؤها، وهذا يختلفُ كثيراً عن مشاريعِ برامجِ الفضاءِ الأخرى التي يجري تطويرُها على مدى عقودٍ.

تطلّبَ الجدولُ الزَّمنيُّ المضغوطُ من الفريقِ أن يتحرّكَ على الفورِ، ويعملَ بخفّةٍ ومرونةٍ، ويطلقَ العنان لأفكارهِ العبقريّةِ؛ فعلى سبيلِ المثالِ؛ بغرضِ اختبار التّحليقِ في جوٍّ يشبهُ جوَّ المريخِ على الأرضِ، جمع الفريقُ مجموعة ممّا يقربُ من 900 مروحةِ كمبيوتر لتوليدِ الهواءِ بدلاً من الاعتمادِ على نفقٍ هوائيٍّ تقليديٍّ باهظِ التَّكاليفِ، هذا هو جانبٌ من جوانبِ التَّفكيرِ الجانبيّ السَّريعِ والمبدعِ وغيرِ المكلّفِ، الذي قد يذكركَ بحيلِ الشَّركاتِ النَّاشئةِ المماثلةِ، إنَّهُ ليسَ ببعيدٍ بدرجةٍ كبيرةٍ عن استخدامِ جيف بيزوس للأبوابِ كطاولاتٍ مكتبيّةٍ رخيصةِ الثَّمنِ في الأيامِ الأولى من انطلاقِ شركةِ أمازون.

إنَّ نجاحَ إنجينيوتي بالفعلِ في الوصولِ إلى المريخِ يوازي إلى حدٍّ كبيرٍ ما يحصلُ مع الشَّركاتِ النَّاشئةِ؛ إذ يُظهرُ أنَّهُ يمكنُ لشركةٍ ناشئةٍ -إذا لجأت إلى التَّفكيرِ الصّحيحِ- توظيفَ فريقٍ على الفورِ، من شأنهِ تطويرُ خطّةِ عملٍ واختبارِها وتنفيذِها؛ لاستكشافِ مجالٍ جديدٍ كليّاً، وذلكَ يتطلّبُ فقط التَّفرُّغَ المبدئيَّ، والتَّفكيرَ المرنَ، والموظّفينَ المهرةَ؛ إذ تكمنُ الصُّعوبةُ في العملِ في وجودِ خطٍّ رفيعٍ يفصلُ ما بينَ الفطنةِ والغباءِ.

شاهد أيضاً: في يوم الخيال العلمي.. ما هي فرص ريادة الأعمال خارج الأرض؟

السيولة والموارد

لم يتجاوزْ عددُ فريقِ إنجينيوتي في مختبرِ الدَّفعِ النَّفاثِ (JPL) أكثر من 65 موظّفاً بدوامٍ كاملٍ، لكنَّ أقساماً أُخرى قدّمت يدَ العونِ على هيئةِ مساعداتٍ متنوّعةٍ في النَّواحي الهندسيّةِ، وعلى الرَّغمِ من أنَّ هذا العدد قد يبدو كبيراً مقارنةً مع شركةٍ هندسيَّةٍ ناشئةٍ صغيرةٍ -إن صحَّ القولُ- إلَّا أنَّهُ مقارنةً مع برامجَ ناسا الأُخرى، يعدُّ رقماً بالغَ الصّغرِ، كما طوّرَ هذا الفريقُ الصَّغيرُ أوّلَ طائرةٍ تعملُ بالطّاقةِ الشَّمسيَّةِ في العالمِ للذَّهابِ إلى كوكبٍ آخرَ بميزانيَّةٍ قدرُها فقط 80 مليونَ دولارٍ، وعلى سبيلِ المقارنةِ، جمعت شركةُ Zipline لتوصيلِ الطُّرودِ بوساطةِ الطَّائراتِ المسيّرةِ 300 مليونَ دولارٍ في بدايةِ عامِ 2023؛ وذلكَ لتمويلِ عمليّاتِ تطويرِها ونموِّها.

ويعدُّ نجاحُ إنجينيوتي دليلاً إيجابيّاً على أنَّ المؤسّسةَ الصَّغيرةَ إذا توفَّرَ لديها قدرٌ صغيرٌ نسبيّاً من السُّيولةِ النَّقديَّةِ، يمكنُها الإتيانُ بمنتجٍ يستطيعُ الذَّهابَ إلى أماكن لم يسبق لأحدٍ أن ذهبَ إليها من قبل -وهذا إذا كانت قادرةً على تجنُّبِ معضلةِ المبتكرِ بمجرّدِ أن يتوفّرَ المالُ في يدِها.

شاهد أيضاً: مشروع العالم الافتراضي Everdome ينفذ هبوطه المنتظر على سطح المريخ

الدروس المستفادة

إنَّ العبرةَ التي يمكنُ لقادةِ الأعمالِ استنتاجُها من قصّةِ إنجينيوتي تتجاوزُ إثباتَ أنَّ العقولَ الذَّكيَّةَ يمكنُها بناءُ أشياءٍ ذكيّةٍ: فهي تعلّمنُا دروساً حولَ تشغيلِ مركباتٍ ذاتيَّةِ القيادةِ على كواكب أخرى، وتُستخدمُ الصُّورَ التي تمَّ التقاطُها من سطحِ المريخِ بواسطةِ الطَّائرةِ الصَّغيرةِ خلالَ قفزاتِها القصيرةِ المتكرّرةِ؛ للمساعدةِ في تخطيطِ المسارِ الذي سيتّبعهُ المسبارُ الكبيرُ بيرسفيرانس، ولاكتشافِ السِّماتِ التي ربَّما تكونُ مثيرةً للاهتمامِ، وبالإمكانِ اختبارُها باستخدامِ المجسَّاتِ العلميَّةِ للمركبةِ، وهكذا أصبحت إنجينيوتي مشروعَ طائرةِ اكتشافٍ حرفيّاً، ويجري حالياً استغلالُ الدُّروسِ المستفادةِ من المهمَّةِ من أجلِ التَّخطيطِ لبعثاتِ ناسا المستقبليَّةِ إلى كواكبَ أُخرى، التي تكلِّفُ ملياراتِ الدّولاراتِ.

يبدو هذا وكأنَّهُ طرحٌ تقليديٌّ لموضوعِ "الدُّروسِ المستفادةِ"؛ إذ توضِّحُ شركةُ Asana لإدارةِ المشاريعِ هذا النّوعِ من التَّفكيرِ: "إنَّكَ تتعلّم شيئاً جديداً في كلِّ مشروعٍ، ولكنَّ جلسةَ الدُّروسِ المستفادةِ تضمنُ لكَ إلتقاطَ تلكَ المعلوماتِ وتنسيقِها لمشاركتِها مع الفرقِ الأُخرى"، ويقومُ مهندسون في مختبرِ الدَّفعِ النَّفاثِ (JPL) حاليّاً بتعديلِ تصميمِ إنجينيوتي بحيثُ يمكنُ للطّائراتِ المروحيَّةِ مساعدةَ مهمّةِ إرجاعِ عيّناتِ المريخِ (MSR) في المستقبلِ، والّتي ستعيدُ في نهايةِ المطافِ تربةَ المريخِ للدّراسةِ العلميَّةِ هنا على الأرضِ. وبعد إنجينيوتي سيختبرُ باحثونَ آخرون في ناسا أيضاً طائرةً مسيّرةً ذاتَ ثماني شفراتٍ، ترمي إلى استكشافِ قمرِ كوكبِ زحل الذي يطلقُ عليهِ (تيتان).

يمكنُ أن تتبعَ شركتَكَ هذا الأسلوبِ، بالاستفادةِ من مشاريع صغيرةِ الحجمِ كدليلٍ استكشافيٍّ لمشاريعَ أكبرَ وأكثرَ تعقيداً في وقتٍ لاحقٍ؛ فرُّبما تكونُ مخاطرُ وتكاليفُ فشلِ مشروعٍ صغيرٍ أقلَّ من الانطلاقِ بمشروعٍ أكبرَ يمكنُ أن يفشلَ في وقتٍ لاحقٍ؛ لأنّك لم تتفحص الأساسَ الذي بُني عليهِ مسبقاً.

وأخيراً، مع وضعِ الطّائراتِ المسيّرةِ المستوحاةِ من إنجينيوتي في المستقبلِ في الاعتبارِ، تذكرُ أنَّ هناكَ أيضاً فرصاً كبيرةً أمامَ الشَّركاتِ الصَّغيرةِ الحجمِ في برامجِ ناسا الواسعةِ النِّطاقِ؛ فعندما هبطت مركبةُ "كيوريوسيتي" على المريخِ في عامِ 2012، أفادتْ CNN بأنَّ البرنامجَ كان يدعمُ ما يُقاربُ 300 مهمّةً فضلاً عن مهمّاتِ ناسا، وكانت العديدُ منها في شركاتٍ أصغرَ تعملُ في مجالِ التَّوريد.

لمزيدٍ من النصائح في عالم المال والأعمال، تابع قناتنا على واتساب.

آخر تحديث:
تاريخ النشر: