كيف نوازن بين الذكاء الاصطناعي والوحدة في العمل؟
في عصر الذكاء الاصطناعي، بات كثير من الموظفين يفضلون اللجوء إلى روبوتات الدردشة طلباً للنّصيحة، بدلاً من خوض تفاعلٍ مباشرٍ قد يعرّضهم للإحراج أو المقارنة داخل مكان العمل
في بيئة العمل الغريبة والمتحوّلة في القرن الحادي والعشرين، يتوسّع دور الذكاء الاصطناعيّ بوتيرةٍ متسارعةٍ، فلا يكتفي بتغيير أدوات الإنتاج، بل يمتدّ أثره إلى طبيعة العلاقات الإنسانيّة داخل مكان العمل. ومع هذا التمدّد، يفضّل عددٌ متزايدٌ من الموظّفين التفاعل مع أنظمةٍ رقميّةٍ باردةٍ على التواصل مع زملائهم البشر، لتبدأ بذلك ملامح وحدةٍ مهنيّةٍ جديدةٍ في التشكّل، يصفها البعض اليوم بأنّها امتدادٌ لما يشبه وباء الوحدة.
وتعكّس تقارير حديثةٌ هذا التّحوّل بوضوحٍ، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعيّ مجرّد مساعدٍ تقنيٍّ، بل أصبح بديلاً فعليّاً للتفاعل اليوميّ بين الزملاء. ففي تقريرٍ داخليٍّ يتناول كيفيّة استخدام الموظّفين لأدوات الذكاء الاصطناعيّ، أوضحت شركة Anthropic أنّ العاملين باتوا يطلبون من روبوت الدردشة Claude إجاباتٍ عن أسئلةٍ كانوا يتوجّهون بها سابقاً إلى زملائهم. ونتيجةً لذلك، تراجعت فرص الإرشاد والتعاون المباشر، إلى درجةٍ عبّر معها أحد مهندسي الشركة عن أسفه قائلاً إنّه يحبّ العمل مع البشر، لكنّه بات يحتاج إليهم أقلّ من السابق.
ويتقاطع هذا الواقع مع ملاحظاتٍ أوسع في سوق العمل، حيث يتّجه موظّفو الجيل Z بشكلٍ متزايدٍ إلى طلب النصائح المهنيّة، سواءً تعلّقت بالمزايا الوظيفيّة أو بالمسارات المهنيّة، من روبوتات الدردشة بدلاً من المدراء أو الخبراء داخل المؤسّسة. ومع هذا التّحوّل، تتراجع أنماط الإرشاد المباشر الّتي لطالما لعبت دوراً أساسيّاً في بناء الخبرات ونقل المعرفة. وتؤكّد دراساتٌ عديدةٌ أنّ وجود الموجّهين يرفع معدّلات الاحتفاظ بالموظّفين، ما يدفع بعض الخبراء اليوم إلى اعتبار برامج الإرشاد ضرورةً تنظيميّةً لا ترفاً إداريّاً.
وفي سياقٍ متّصلٍ، تنقل تحليلاتٌ اقتصاديّةٌ أنّ الذكاء الاصطناعيّ بات يؤدّي دوراً شبيهاً بمحركات البحث التقليديّة، إذ أصبح المرجع الأوّل للإجابات السريعة داخل بيئة العمل. وفي المقابل، يتنامى شعورٌ بالضيق لدى بعض الموظّفين عندما يطرح زملاؤهم أسئلةً بسيطةً كان يمكن للذكاء الاصطناعيّ الإجابة عنها خلال ثوانٍ. ويكشف هذا السلوك تحوّلاً ثقافيّاً أعمق، إذ لم يعد التوقّع بإجادة استخدام الذكاء الاصطناعيّ مقتصراً على المتخصّصين، بل أصبح معياراً غير معلنٍ للكفاءة المهنيّة. ويفسّر هذا جزئيّاً سبب نجاح نماذج مثل Gemini، الّتي تقدّم بوصفها زميلاً عمليّاً يخلو من التعقيدات البشريّة والصراعات اليوميّة.
وتدعم استطلاعاتٌ حديثةٌ هذا الاتّجاه، إذ تشير بيانات منصّات العمل الحرّ إلى أنّ «الزملاء الرقميّين» أصبحوا جزءاً متزايد الحضور في أماكن العمل. ويؤكّد عددٌ كبيرٌ من الموظّفين الّذين يرون أنّ الذكاء الاصطناعيّ حسّن إنتاجيّتهم أنّ علاقتهم مع هذه الأنظمة الرقميّة أصبحت أفضل من علاقتهم مع زملائهم البشر، ما يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في طبيعة الانتماء المهنيّ.
ويأتي هذا المشهد في وقتٍ يتصاعد فيه القلق من تأثير الذكاء الاصطناعيّ على مستقبل الوظائف، خصوصاً في المستويات الوظيفيّة المبتدئة. فبينما يخشى كثيرون من فقدان وظائفهم على المدى الطويل، تشير مؤشّرات سوق العمل إلى أنّ الذكاء الاصطناعيّ بدأ بالفعل بإعادة تشكيل فرص التوظيف، ما يدفع بعض المؤسّسات إلى إعادة صياغة خطابها الداخليّ. وبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعيّ كتهديدٍ، تسعى فرق الموارد البشريّة إلى تسويقه كأداة تمكينٍ تعزّز قدرات الموظّفين ولا تستبدلهم.
وفي هذا الإطار، تكشف بياناتٌ استطلاعيّةٌ حديثةٌ تفاوتاً واضحاً في استخدام الذكاء الاصطناعيّ بين القطاعات. فيقود قطاع التكنولوجيا هذا التّحوّل، حيث يستخدم نصف العاملين فيه الذكاء الاصطناعيّ بشكلٍ متكرّرٍ، بينما تتبعه قطاعات المال والخدمات المهنيّة بنسبٍ أقلّ، في حين يظلّ الاستخدام محدوداً في قطاعاتٍ مثل التجزئة والتصنيع والرعاية الصحيّة. كما تظهر البيانات أنّ الموظّفين في المناصب العليا أكثر ميلاً إلى تبنّي هذه التقنيات، ما يعمّق الفجوة الرقميّة داخل المؤسّسات نفسها.
ومع ارتفاع معدّلات الاستخدام السنويّ والأسبوعيّ للذكاء الاصطناعيّ داخل أماكن العمل، تتشكّل صورةٌ مركّبةٌ تجمع بين زيادة الإنتاجيّة من جهةٍ، واتّساع مسافة التباعد الإنسانيّ من جهةٍ أخرى. ويبدو هذا التناقض، بالنسبة لكثيرين، أشبه بعاصفةٍ مثاليّةٍ يصعب تجاهل آثارها على المدى المتوسّط.
وتزداد المفارقة حدّةً عندما يتقاطع هذا الواقع مع محاولات بعض الإدارات إعادة الموظّفين إلى المكاتب بدعوى تعزيز التعاون والعمل الجماعيّ. فبينما يراهن أنصار العودة إلى المكتب على التفاعل المباشر، يطرح الواقع سؤالاً جوهريّاً: ما جدوى الحضور المكانيّ إذا كان الموظّف يفضّل البقاء خلف مكتبه ومراسلة روبوت دردشةٍ للحصول على إجابةٍ، بدلاً من التوجّه إلى زميله في القسم المجاور؟
بهذا المعنى، لا يفرض الذكاء الاصطناعيّ تحدّياتٍ تقنيّةً فقط، بل يطرح اختباراً حقيقيّاً لثقافة العمل ذاتها، ولقدرة المؤسّسات على تحقيق توازنٍ دقيقٍ بين الكفاءة الرقميّة والحضور الإنسانيّ داخل بيئةٍ مهنيّةٍ تتغيّر بسرعةٍ غير مسبوقةٍ.
شاهد أيضاً: هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على الوظائف؟