كيف تتخذ قرار يغير مسار حياتك؟ كتاب واحد سيجيبك
تشير أوبرا وينفري إلى أنّ قراءة هذا الكتاب شكّلت نقطة تحوّل حاسمة في حياتها، إذ أعادت صياغة منهجها في اتّخاذ القرارات الكبرى، وغيّرت بشكلٍ عميق مسارها الشخصي والمهني
على مدى عقودٍ طويلةٍ، ربطت أوبرا وينفري بين مسارها المهنيّ وبين دليلٍ واحدٍ غير متوقّعٍ في عالم الأعمال، إذ أسهم هٰذا الدّليل في صياغة كثيرٍ من أكبر قراراتها المصيريّة. فقد عرّفها كتاب موطن الرّوح (The Seat of the Soul)، الصّادر عام 1989 للمؤلّف غاري زوكاف، علىٰ ما أسمته لاحقاً «مبدأ النّيّة»، وهو المفهوم الّذي أوضحت، في حديثٍ مع رئيس مجلس إدارة لينكدإن جيف واينر، أنّه تحوّل إلىٰ «المبدأ الأوّل الّذي يحكم حياتي»، وبات المرجع الخفيّ وراء اختياراتها الكبرىٰ.
وينطلق هٰذا الإطار الفكريّ، في جوهره، من بساطةٍ عميقةٍ لا تخلو من الحسم. إذ يؤكّد زوكاف في كتابه أنّ كلّ فعلٍ أو فكرةٍ أو شعورٍ ينشأ أصلاً عن نيّةٍ، وأنّ هٰذه النّيّة تمثّل سبباً لا ينفصل عن الأثر النّاتج عنه. ووفق هٰذا المنطق، لا يمكن للإنسان أن يشارك في السّبب دون أن يكون جزءاً من النّتيجة، ما يعني تحمّل المسؤوليّة الكاملة عن الأفعال والأفكار والمشاعر، أي عن النّيّات الّتي تقف خلفها جميعاً.
ولدى وينفري، لم تبق هٰذه الفكرة في إطارها النّظريّ، بل فتحت باباً واسعاً للتّأمّل الذّاتيّ، وأطلقت مراجعةً عميقةً غيّرت مسار حياتها. ففي مقدّمة إصدار الذّكرى الخامسة والعشرين للكتاب، اعترفت بأنّ النّيّة الكامنة خلف معظم قراراتها السّابقة كانت السّعي إلى أن تكون محبوبةً. وبذٰلك، لم يكن طلب القبول مجرّد دافعٍ عابرٍ، بل كان المحرّك الخفيّ الّذي حكم حياتها الشّخصيّة ومسيرتها المهنيّة معاً.
ومن هنا، دفعها الكتاب إلى مواجهة هٰذا النّمط بوعيٍ أكبر، والانتقال تدريجيّاً إلى اتّخاذ قراراتٍ تنطلق ممّا تشعر بصدقه الدّاخليّ، لا ممّا يضمن رضا الآخرين أو استحسانهم. ومع الوقت، لم يبق هذا التّحوّل شأناً شخصيّاً فحسب، بل تحوّل إلىٰ فلسفة قيادةٍ متكاملةٍ، عبّرت عنها بوضوحٍ حين قالت: قبل أن يتحقّق تحوّلٌ حقيقيٌّ في أيّ شركةٍ، لا بدّ أن يسبق ذٰلك تحوّلٌ داخليٌّ في الشّخص الّذي يقودها.
وتجلّى هذا التّحوّل، للمرّة الأولى، على شاشة برنامجها الحواريّ. فبعد قراءتها كتاب زوكاف، جمعت وينفري فريق الإنتاج، وأعلنت بوضوحٍ أنّ البرنامج سيتحوّل إلى مساحةٍ إعلاميّةٍ قائمةٍ على النّيّة الواعية. ولم تكتف بذلك، بل حدّدت الرّؤية بقولها إنّ الهدف هو أن يكون البرنامج قوّةً إيجابيّةً تحدث أثراً، وأن تصبح هٰذه الغاية هي النّيّة الّتي توجّه كلّ محتواه.
وبناءً على ذلك، تغيّرت معايير تقييمها للأفكار المطروحة على البرنامج. فلم تعد التّفاصيل وحدها كافيةً، بل أصبحت النّيّة الكامنة خلف الفكرة هي العامل الحاسم. ولهذا، اعتادت رفض مقترحاتٍ مصوغةٍ بإتقانٍ، لٰكنّها تفتقر إلى رسالةٍ صادقةٍ أو تحمل قيماً مصطنعةً. ووفق رؤيتها، كان المعيار الحقيقيّ يتمثّل في قدرتها على الإمساك بخيطٍ من الحقيقة تشعر به شخصيّاً، لتجلس أمام الجمهور بوصفها إنسانةً حقيقيّةً لا دوراً مصطنعاً.
وامتدّ هذا الصّدق من المحتوى إلى ثقافة العمل نفسها. إذ شدّدت وينفري على أنّ معظم النّاس يقضون الجزء الأكبر من ساعات يقظتهم في العمل، متسائلةً عمّا يمكن أن يحدث لو تحوّلت بيئات العمل إلى مساحاتٍ أكثر تعاطفاً ووعياً، لا مجرّد أماكن لأداء المهامّ.
وجاء التّعبير الأوضح عن هذا النّهج في عام 2011، عندما قرّرت إنهاء برنامجها The Oprah Winfrey Show. فقد أدركت أنّها استنفدت ما يمكن تقديمه عبر هذا المنبر، وأنّ الاستمرار لموسمٍ إضافيٍّ كان سيفرض حماسةً مصطنعةً لا تنسجم مع قناعاتها. ومن ثمّ، فضّلت الانسحاب وبناء شبكة OWN، الّتي واصلت، من خلال برامجها المختلفة، تجسيد الدّروس المستخلصة من كتاب زوكاف.
وفي مقدّمة كتاب موطن الرّوح، صاغت وينفري هٰذا الارتباط بوضوحٍ لا لبس فيه، حين أكّدت أنّ فكرة إنشاء شبكةٍ كهٰذه ما كانت لتخطر في بالها لولا قراءتها لهٰذا الكتاب. كما عزّز ظهور زوكاف المتكرّر على منصّاتها هٰذا الارتباط، مبرزاً مدى تشابك أفكاره مع تجربتها الإعلاميّة والمهنيّة.
ومع أنّ أفكار زوكاف أسهمت في توجيه كثيرٍ من قرارات وينفري في مجالي القيادة والأعمال، إلّا أنّها شدّدت في الوقت نفسه على أنّ أثر الكتاب يتجاوز حدود المكاتب والمؤسّسات. فوفق رؤيتها، لا يقدّم هذا العمل مجرّد نصائح عمليّةً، بل يطرح مخطّطاً شاملاً يعيد ترتيب البوصلة الدّاخليّة، ويجمع الإنسان حول القيم والمعاني الأكثر أهمّيّةً في حياته.