الذكاء الاصطناعي في العمل: كيف يسبق جيل Z الأجيال السابقة في التكيف والإبداع؟
يتبنّى جيل Z الذكاء الاصطناعي بسلاسة وجرأة، بينما توازن الأجيال الأكبر سنّاً بين الحذر والخبرة، ما يفرض استراتيجيات متوازنة لتعزيز الإنتاجية والأمان الرقمي
هل لوحظت تلك الظّاهرة الّتي يبدو فيها الشّباب وكأنّهم يستوعبون أحدث الابتكارات أو الصّيحات التّقنيّة فور ظهورها، من دون حاجةٍ إلى دليل استخدامٍ أو شرحٍ مسبقٍ؟ يظهر ذٰلك بوضوحٍ عندما يسرعون في الكتابة على شاشة جهازٍ لوحيٍّ، أو عندما يتعاملون مع أداةٍ تقنيّةٍ جديدةٍ بسلاسةٍ تربك من هم أكبر سنّاً، ما يفتح باب التّساؤل طبيعيّاً: لماذا يحدث هٰذا الفارق في الفهم والتّفاعل؟
لماذا يختلف تبني الذكاء الاصطناعي بين الأجيال؟
لا يفاجئ، في هذا السّياق، أن يؤكّد تقريرٌ حديثٌ صادرٌ عن مركز الابتكار في جامعة سينسنّاتي صحّة هٰذه الملاحظة عندما يتعلّق الأمر بالذّكاء الاصطناعيّ، تماماً كما حدث مع معظم الابتكارات التّقنيّة خلال العقود الخمسة الماضية. إذ يتعامل جيل Z مع الذّكاء الاصطناعيّ بوصفه امتداداً طبيعيّاً لبيئته اليوميّة، لا كأداةٍ طارئةٍ، وهو ما يجعل تبنّيه مختلفاً جذريّاً عن الأجيال الأكبر سنّاً. ونتيجةً لذٰلك، تستخدم هٰذه التّقنيّات داخل بيئة العمل بأساليب مغايرةٍ، من حيث السّرعة والاعتماد والجرأة في التّجربة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة التّفكير في الطّرق الّتي تشجّع بها القوى العاملة على استخدام الذّكاء الاصطناعيّ لتحقيق وعوده المرتبطة برفع الإنتاجيّة وتحسين الأداء. فلا يمكن، في هٰذا السّياق، افتراض أنّ نموذجاً واحداً يصلح لجميع الموظّفين، ولا أن تكون وتيرة التّبنّي متطابقةً بين مختلف الفئات العمريّة.
وفي هٰذا الإطار، أشار تقريرٌ نشره موقع Phys.org المتخصّص في أخبار التّكنولوجيا إلى أنّ باحثي مركز الابتكار 1819 التّابع للجامعة قاموا بجمع وتحليل مجموعةٍ واسعةٍ من الدّراسات، بهدف رسم صورةٍ أشمل لكيفيّة إدراك الأجيال المختلفة للذّكاء الاصطناعيّ، وفهم أنماط استخدامه له داخل العمل وخارجه.
كيف غير جيل Z طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل والتعلم؟
يصنّف أفراد جيل Z، الّذين تتراوح أعمارهم تقريباً بين ستّة عشر وتسعةٍ وعشرين عاماً، بوصفهم «مواطنين رقميّين»، إذ تداخلت التّجارب التّقنيّة مع تفاصيل حياتهم اليوميّة منذ سنٍّ مبكّرةٍ جدّاً. وانطلاقاً من ذٰلك، يتصدّر هٰذا الجيل معدّلات استخدام الذّكاء الاصطناعيّ؛ فقد أظهر استطلاعٌ أجرته Deloitte عام 2025 أنّ ما يقارب ثمانيةً من كلّ عشرة أفرادٍ من جيل Z يستخدمون أدوات ذكاءٍ اصطناعيٍّ مستقلّةً مثل ChatGPT أو Claude، وهي نسبةٌ تفوق ما تسجّله أيّ فئةٍ عمريّةٍ أخرى في بيئات العمل.
ويتكامل هٰذا المعطى مع نتائج استطلاعٍ حديثٍ أجرته SurveyMonkey، كشف أنّ الاستخدام الأكثر شيوعاً للذّكاء الاصطناعيّ لدى جيل Z يتركّز في المجال التّعليميّ. ويتقاطع ذٰلك، بدوره، مع تقارير حديثةٍ تظهر لجوء موظّفي هٰذا الجيل إلى الذّكاء الاصطناعيّ أو إلى مصادر على وسائل التّواصل الاجتماعيّ لفهم أعراف بيئة العمل، مثل تفسير المزايا الوظيفيّة أو السّياسات الدّاخليّة، بدلاً من الرّجوع المباشر إلى الزّملاء أو أقسام الموارد البشريّة. ويغلب الفضول على تعامل جيل Z مع الذّكاء الاصطناعيّ أكثر من الحذر، إذ ينصبّ التّركيز على ما يمكن أن تقدّمه هٰذه الأدوات من تسهيلٍ للمهامّ وتسريعٍ للإنجاز وتحسينٍ للكفاءة، كما يوضّح التّقرير. وقد ينعكس هٰذا التّوجّه عمليّاً على خطط الشّركات الرّامية إلى تعميم استخدام الذّكاء الاصطناعيّ، من خلال إسناد بعض أدوار التّدريب أو التّجربة الأوّليّة لهٰذه الأدوات إلى الموظّفين الأصغر سنّاً.
جيل الألفية في بيئة العمل: توازن بين التجربة والشك الواعي
يستخدم جيل الألفيّة الذّكاء الاصطناعيّ بوتيرةٍ أقلّ من جيل Z، غير أنّ نسبةً معتبرةً منهم، تقترب من ستّةٍ من كلّ عشرةٍ، سبق أن جرّبت أدوات ذكاءٍ اصطناعيٍّ، وفقاً لاستطلاع Deloitte، فضلاً عن اعتمادهم المتزايد على خصائص الذّكاء الاصطناعيّ المدمجة في أجهزتهم اليوميّة. ويظهر هٰذا الجيل درجةً أقلّ من الشّكّ مقارنةً بالأجيال الأكبر سنّاً؛ إذ بيّن استطلاعٌ أجرته Pew عام 2025 أنّ 30% من أفراد جيل الألفيّة يستخدمون ChatGPT يوميّاً في العمل، مقابل 18% فقط من أفراد الجيل X وجيل طفرة المواليد. ومع انتقال عددٍ متزايدٍ من أبناء جيل الألفيّة إلى مواقع الإدارة المتوسّطة، يتعاظم دورهم في دفع عجلة تبنّي الذّكاء الاصطناعيّ داخل المؤسّسات، سواءً عبر اقتراح الأدوات أو الدّفاع عن جدواها التّشغيليّة. وبناءً على ذٰلك، قد يستفيد قادة الشّركات من الإنصات بعنايةٍ إلى ملاحظات ومخاوف مديري وموظّفي جيل الألفيّة عند إطلاق أدوات ذكاءٍ اصطناعيٍّ جديدةٍ، بما يسمح بتحقيق توازنٍ مدروسٍ بين حذرهم النّسبيّ وحماسة جيل Z المتزايدة للتّقنية.
الجيل X: حذر إداري يوازن اندفاع الذكاء الاصطناعي
يظهر التّقرير أنّ استخدام الجيل X للذّكاء الاصطناعيّ لا يزال محدوداً نسبيّاً. وبما أنّ أفراد هٰذا الجيل يشغلون، في الغالب، مناصب إداريّةً عليا ويملكون خبرةً طويلةً في عالم الأعمال، فإنّ هٰذا الواقع يترك أثره المباشر في الطّريقة الّتي تتعامل بها مؤسّساتهم مع تبنّي الذّكاء الاصطناعيّ. ومع ذٰلك، لا يتّسم موقف الجيل X بالرّفض المطلق؛ فعلى الرّغم من ارتفاع مستوى الوعي بالتّقنية، يتبنّى هٰذا الجيل نظرةً متوازنةً، تعترف بقيمة الذّكاء الاصطناعيّ في السّياقات المهنيّة، لٰكنّها تبقي مساحةً واضحةً للحذر والتّدقيق. ويشير باحثو جامعة سينسنّاتي إلى أنّ هٰذا التّباين في المواقف ليس عائقاً بالضّرورة، بل قد يتحوّل إلى عنصر قوّةٍ داخل المؤسّسات. فبينما تدفع حماسة جيل Z عجلة الابتكار إلى الأمام، يشكّل تشكّك الجيل X آليّة ضبطٍ ضروريّةً تمنع تسليم مهامٍّ حسّاسةٍ لمنصّاتٍ خارجيّةٍ تفتقر إلى رقابةٍ كافيةٍ.
جيل طفرة المواليد (Baby Boomers)
يأتي جيل طفرة المواليد في المرتبة الأخيرة من حيث استخدام الذّكاء الاصطناعيّ، إذ تسجّل معدّلات الاستخدام لديهم نحو نصف ما يسجّله جيل Z. وغالباً ما يقترب أفراد هٰذا الجيل من سنّ التّقاعد، ما يقلّل من دافعهم لاستخدام الذّكاء الاصطناعيّ لأغراضٍ مهنيّةٍ، ويعزّز ميلهم إلى التّعامل معه بحذرٍ، مع التّشكيك في دقّة المخرجات وموثوقيّة الجهات المطوّرة لهٰذه الأدوات. ورغم ذٰلك، يظلّ هٰذا الحذر مبرّراً، خصوصاً في ضوء تقارير متكرّرةٍ عن قيام موظّفين أصغر سنّاً بإدخال بياناتٍ حسّاسةٍ أو معلوماتٍ داخليّةٍ إلى أنظمة ذكاءٍ اصطناعيٍّ من دون تقديرٍ كافٍ للمخاطر. وعند صياغة سياساتٍ فعّالةٍ لإدارة مخاطر الذّكاء الاصطناعيّ، تبرز خبرات الموظّفين الأكبر سنّاً بوصفها عنصراً لا غنى عنه لضمان الاستخدام المسؤول والمتّزن للتّقنية.
ما هي مخاطر الذكاء الاصطناعي؟
يتجاوز تأثير الذّكاء الاصطناعيّ حدود الإنتاجيّة ليطال الجوانب النّفسيّة والتّنظيميّة في بيئة العمل. فقد أظهرت بياناتٌ حديثةٌ صادرةٌ عن شركة الأبحاث Gartner آثاراً نفسيّةً محتملةً ناتجةً عن الإفراط في استخدام الذّكاء الاصطناعيّ، إلى جانب تراجع جودة الأداء عندما ينشغل الموظّفون بشكلٍ مفرطٍ بتبنّي الأدوات الجديدة على حساب التّركيز في مهامّهم الأساسيّة. وحذّرت الدّراسة من ضرورة أن يوجّه قادة الموارد البشريّة المديرين إلى كيفيّة رصد ما يعرف بـ«الاستخدام غير المنضبط للذّكاء الاصطناعيّ»، بحسب ما نقله موقع HRDive المتخصّص. فالاستخدام المكثّف لهٰذه التّقنيّات قد يسهم في تفاقم مشكلات الصّحّة النّفسيّة، كما قد يؤدّي إلى إرهاق بعض الموظّفين تحت ضغط مواكبة أدواتٍ معقّدةٍ ومتغيّرةٍ باستمرارٍ. كما نبّهت الدّراسة إلى مخاطر تآكل المهارات الأساسيّة نتيجة الاعتماد الزّائد على الذّكاء الاصطناعيّ، وهو ما يتقاطع مع نتائج دراسةٍ أجرتها Microsoft عام 2025.
الخلاصة
وفي ضوء كلّ ما سبق، تتّضح الخلاصة العمليّة داخل بيئات العمل. يستحسن أن تستثمر حماسة وخبرة الموظّفين الأصغر سنّاً في استخدام الذّكاء الاصطناعيّ بوصفها محرّكاً لتشجيع الأجيال الأكبر على تبنّي التّقنية لأغراضٍ مهنيّةٍ، وفي الوقت نفسه، يجب الاعتماد على خبرات الموظّفين الأكبر سنّاً لضبط الاستخدام وضمان سلامته وموثوقيّته. والأهمّ، يظلّ الحفاظ على آليّات توازنٍ ورقابةٍ أمراً ضروريّاً في خضمّ التّسارع نحو الذّكاء الاصطناعيّ، حتّى لا تأتي الكلفة على حساب الصّحّة النّفسيّة للموظّفين أو جودة المخرجات المهنيّة.