الوعي: المهارة الأكثر إغفالاً في القيادة الحديثة
حين نولي انتباهنا للحظات اليوميّة، نستعيد التّحكم في قراراتنا ونحوّل الرّوتين والضّغط إلى فرصٍ للنّموّ والتّركيز والإبداع المستمرّ
يفتح الجميع كاميراتهم، لكن لا أحد حاضر حقّاً. سبعة وجوه تومئ بأدبٍ، فيما يرن Slack في الخلفية ويبتلع التقويم ساعةً أخرى من وقتك. يركز المقدم على قراءة الشرائح التي يمكننا جميعاً تصفحها بصمت، بينما يتسلّل ذهنك نحو مسودة بريد إلكتروني على شاشتك الثانية.
هذه هي ضريبة الانتباه، ندفعها يوميّاً، حتى وإن لم نشعر بها إلا عند وصول الفاتورة: إرهاق لا يشفيه النوم، وانزعاج يسرق من المحادثات والروابط مع الآخرين. كثيرون يسعون للحصول على أدوات لتجنّب هذه الضريبة، من تطبيقات أو دورات تدريبية عبر الإنترنت تعد بحلول سحرية، بينما الأداة الأهم موجودة بالفعل لدينا: الوعي. وليس المقصود بالوعي اقتباسًا يُنشر على إنستغرام، بل ممارسة يمكن توظيفها بين الاجتماعات المتتالية لإبطاء فرط التفكير وتوسيع الفاصل بين الدافع والقرار، لنصبح فاعلين في حياتنا، لا مجرد ركاب.
الوعي هو القدرة على إدراك ما يحدث الآن في جسدك، وفي أفكارك، وفي المكان الذي تتواجد فيه؛ هذا كل ما في الأمر، لكن ثقل بساطته عظيم. فالتوقف الذي يصاحبه يمنحك قوة هائلة، إذ يمثل نقطة الانطلاق للوكالة (agency)، وهي القدرة على التوقف عن العمل بشكل آلي واختيار ما سيحدث لاحقّاً في حياتك بوعي وقرار مقصود.
أما بالنسبة للمتشككين، فالأدلة على قوة الوعي وفاعليته وفيرة. ففي دراسة أجرتها جامعة هارفارد (Harvard)، أفاد المشاركون أن عقولهم تتشتت نحو 50% من الوقت، وكان هذا التشتت يسبق انخفاضاً ملموساً في مستوى الرفاهية. كما أظهرت دراسة أخرى أن التدريب على اليقظة الذهنية (mindfulness) يعزز الذاكرة العاملة وفهم القراءة، ويقلل من الأفكار المتطفلة. إضافةً إلى ذلك، كشفت قياسات برامج مكان العمل أن ممارسة الوعي تقلل من التوتر، وتمكّن الأشخاص من الحفاظ على تركيزهم بما يكفي لاتخاذ قرارات تضيف قيمة حقيقية لحياتهم وعملهم.
بين جداول العمل الهجينة وتدفقات المهام المدفوعة بالذكاء الاصطناعي (AI)، أسرعنا حياتنا بلا فرامل. تسارعت الآلة، وتفتت نطاق انتباهنا، حتى بدا أننا نتنقل بين الأحداث بلا قدرة على السيطرة. وهنا يظهر الوعي كطريق لاستعادة موقعنا خلف المقود، واسترجاع القدرة على قيادة حياتنا بوعي وإرادة.
أستخدم مع عملائي في التدريب طريقة بسيطة من ثلاث خطوات لاستعادة الوكالة، أطلق عليها AIR: الوعي (Awareness)، الاستفسار (Inquiry)، إعادة الإطار (Reframing).
أولاً، خصص 60-90 ثانية لممارسة الوعي. اسأل نفسك بصوت مسموع إن أمكن: هل أنا آمن جسدياً الآن؟ ما الأفكار التي تتكرر في ذهني؟ ما الإشارات التي يرسلها جسدي؟ وما المشاعر التي أشعر بها؟ راقب كل استجابة من جسدك، ثم اختر مرساة لتهدئة نفسك -عادةً يكون نفساً بطيئاً- واستمر عندها حتى تشعر بأن جهازك العصبي قد هدأ خطوة واحدة أسفل حالة الإنذار القصوى.
ثانياً، انتقل للاستفسار لمدة 90-120 ثانية. كن فضولياً حيال ما يحدث في هذه اللحظة: ماذا يعني هذا بالنسبة لك؟ أي اعتقاد أو افتراض يقف وراء هذا الانفعال؟ وما الاحتمالات الأخرى التي قد تكون صحيحة أيضاً؟
ثالثاً، اختتم بإعادة الإطار لمدة 60-90 ثانية. ركّز على خطوة صغيرة واحدة يمكنك القيام بها بطريقة مختلفة بدءاً من اليوم، واحد فقط، لا عشرة. على سبيل المثال، بدلاً من الرد على بريد إلكتروني متراكم بنص دفاعي، حاول طرح سؤال توضيحي مفتوح، يفتح مساحة للحوار ويغيّر ديناميكية الموقف.
عند تطبيق AIR بهذه الطريقة، يمكن للوعي أن يمنحنا القدرة على استعادة ملكيتنا لحياتنا خلال دقائق، وتتضاعف التأثيرات الإيجابية تدريجيًا: توقف هنا، توقف هناك، وبنهاية اليوم ستجد نفسك قد اتخذت قرارات لم تكن لتتخذها خلافًا لذلك، متوافقة مع الشخص الذي ترغب أن تكونه بدل الشخص الذي كنت عليه بالأمس.
شاهد أيضاً: كيف تحوّل الاجتماعات من عبء إلى أداة للنجاح؟
بدأت مايا، إحدى عملائي ومديرة العمليات (COO) التي كانت تدعم شركتها خلال فترة نمو سريع، تجربة استراحات AIR قبل اتخاذ قرارات حاسمة. وخلال أسبوع واحد فقط، لاحظت نمطاً لم تره منذ سنوات: ارتفاع التوتر كلما وصلها بريد غامض من الرئيس التنفيذي. مجرد الوعي بما يحدث ساعدها على تهدئة رد الفعل التلقائي، أما الاستفسار فكشف الاعتقاد الكامن وراء توترها: أن طلب التوضيح يعني الضعف. ومن خلال إعادة الإطار، وجدت طريقة جديدة للمضي قدماً: «سأشاركك بعض الخيارات بحلول الساعة الرابعة، هل يناسبك ذلك؟» نفس الكفاءة، نهج مختلف.
ساعدت ممارسة AIR مايا والرئيس التنفيذي على التعاون بشكل أفضل، واتخاذ قرارات أكثر وضوحاً، مع تقليل حلقات إعادة العمل غير الضرورية. لذلك، إذا كنت قائداً لفريق، فإن تبني AIR خلال مواجهة التحديات يمكن أن يكون أداة قوية، طالما التزمت بها بنفس الجدية التي تتعامل بها مع التدفقات المالية أو إطلاق المنتجات الجديدة.
وفيما يلي توصيات عملية لأي فريق يمكن تطبيقها خلال أسبوع واحد:
- اجتماعات على شاشة واحدة: أغلق الأجهزة الثانوية وامنح فريقك فرصة للتوقف وممارسة AIR عند شعورهم بتشتت الذهن. قد يبدو الأمر غريباً في البداية، لكن بعد المرة الخامسة ستتساءل لماذا لم تفعل ذلك منذ البداية.
- ميزانيات الإشعارات: حدد مع الفريق عدد التنبيهات المسموح بها لكل قناة أسبوعياً؛ فالهدف هو تقليل الفوضى الرقمية، لتكون التنبيهات أقل وأكثر وضوحاً، تعكس ما يهم فعليّاً.
- فترات تركيز محمية: يبدأ العديد من عملائي بفترتين مدة كل واحدة 60 دقيقة أسبوعيّاً، مسجلة في التقويمات العامة ومعاملة كما لو كانت اجتماعات حاسمة مع العملاء، لضمان احترام الوقت المخصص للتركيز العميق.
- نظافة القرار: قبل اتخاذ أي قرار مهم، امنح أعضاء الفريق 2-5 دقائق لممارسة AIR، ثم يشارك كل شخص ملاحظة واحدة وسؤالاً واحداً، لترتقي المناقشة من مجرّد جدال إلى تعلّم جماعي حقيقيّ.
- اختصارات زمنية: اعتماد اجتماعات مدتها 25 أو 50 دقيقة، مع تخصيص الوقت المتبقي لممارسة AIR، وإعادة شحن الطاقة بالمشي، أو شرب الماء، أو التنفس، أو أي نشاط ينقّي العقل ويعيد التركيز.
إذا كنت تعتقد أن هذه الممارسات قد تبطئ العمل، فراجع أولاً ما الذي يبطئه فعليّاً. تعدد المهام قد يجعلك تبدو فعالاً، لكنه يفتّ في الدقة والقدرة على التذكر. أما الوعي فيحافظ على التركيز، ويتيح اتخاذ قرارات متعمدة، بدل الاضطرار لإصلاح الأخطاء لاحقاً؛ فهو الخطوة الأولى نحو الوكالة، والوكالة هي وقود النجاح في بيئات معقدة.
لنعد إلى الاجتماع في البداية: نفس الوجوه السبعة، لكن الآن يمارس الجميع دقيقة من الصمت المشترك قبل بدء الأجندة. يسأل القائد: «ماذا نلاحظ؟ كيف يمكن أن نكون فضوليين؟ وما الأسئلة التي تساعدنا على اتخاذ أفضل قرار؟» الفريق متفاعل، والإبداع يزدهر.
ابدأ بستين ثانية فقط، وستدرك كيف يمكن لتلك اللحظات الصغيرة من الوعي أن تغيّر طريقة عملك وتفاعلك مع الآخرين بشكل ملموس.
نُشرت هذه الرؤية الخبيرة لجون روزنبرغ (Jon Rosemberg) أصلاً على موقع Inc.com