المرونة التنفيذية: كيف تدير الفرق في أوقات التغيير والتحديات؟
تقود المرونة التّنفيذيّة الفرق نحو قدرٍ أعلى من الاستقرار في أكثر الفترات اضطراباً، لأنّها توازن بذكاءٍ بين الحزم والتّكيّف، وبين الرّؤية والواقع
تفرض المرونة التّنفيذيّة اليوم نفسها بوصفها قدرةً قياديّةً حاسمةً في بيئات عملٍ تتغيّر بوتيرةٍ متسارعةٍ، إذ لم يعد يصمد التّخطيط الثّابت ولا تحمي الهياكل الصّلبة الفرق من مفاجآت الواقع. ومع تزايد التّحدّيات وتعقّد المتغيّرات، يبرز دور المرونة التّنفيذيّة عندما تختبر قدرة القائد على التّكيّف السّريع، واتّخاذ القرار تحت الضّغط، وإدارة الفرق وسط الغموض دون التّفريط بالاتّجاه أو زعزعة الثّقة. لذلك، لم تعد المرونة التّنفيذيّة إضافةً تجميليّةً إلى أدوات القيادة، بل تحوّلت إلى شرطٍ أساسيٍّ لاستمراريّة الأداء وتحقيق النّتائج في مراحل التّحوّل.
ما هي المرونة التنفيذية وأهميتها في بيئات العمل المتغيرة؟
تعرّف المرونة التّنفيذيّة بوصفها القدرة على التّكيّف الواعي مع المتغيّرات دون التّخلّي عن الأهداف الجوهريّة. فلا تعني التّراجع عن القيم ولا التّفريط بالمعايير، بل تقوم على تعديل الأساليب، وإعادة ترتيب الأولويّات، وتغيير المسارات كلّما فرض الواقع ذٰلك. ومن خلال هٰذا الفهم، تسمح المرونة التّنفيذيّة للقيادة بالتّحرّك بثباتٍ وسط الغموض، وتساعد على تحويل التّغيّر من عامل تهديدٍ إلى عنصرٍ يمكن إدارته والسّيطرة عليه بوعيٍ وهدوءٍ.
كيف تدير الفرق في أوقات التغيير والتحديات؟
تتجلّى المرونة التّنفيذيّة كمنهجٍ قياديٍّ عمليٍّ عندما تواجه الفرق ضغوطاً متزايدةً وتحوّلاتٍ مفاجئةً، إذ تمكّن القائد من الحفاظ على الاتّجاه العامّ، واحتواء التّحدّيات اليوميّة، وتحويل لحظات الاضطراب إلى فرص تنظيمٍ وتماسكٍ ونموٍّ. ومن خلال هٰذا النّهج، لا يكتفي القائد بردّ الفعل، بل يقود التّغيير بوعيٍ ويمنح الفريق شعوراً بالثّبات رغم تقلّب الظّروف.
قراءة الواقع كما هو لا كما نريده أن يكون
تبدأ المرونة التّنفيذيّة بقدرة القائد على قراءة الواقع بموضوعيّةٍ كاملةٍ، بعيداً عن الإنكار أو التّهوين. فعندما يفرض التّغيير نفسه بشكلٍ مفاجئٍ، تظهر معطياتٌ جديدةٌ قد تهدّد الخطط السّابقة وتربك الفريق. عندها، يتطلّب الموقف الاعتراف الصّريح بالتّحوّل، وفهم أسبابه، وتقدير أثره الفعليّ على العمل والأفراد. ويساعد هٰذا الوعي الواقعيّ على اتّخاذ قراراتٍ مبنيّةٍ على الحقائق لا على التّمنّيات، كما يعزّز ثقة الفريق عندما يرى قيادةً تتعامل مع الواقع بوضوحٍ ومسؤوليّةٍ. ومن دون هٰذه الخطوة، تنزلق الإدارة إلى ردود فعلٍ متخبّطةٍ تفقد الاتّجاه بسرعةٍ.
إعادة ترتيب الأولويات دون فقدان الرؤية
تفرض فترات التّغيير مراجعة الأولويّات بعمقٍ دون التّخلّي عن الرّؤية الأساسيّة. فيعيد القائد المرن تقييم ما هو ضروريٌّ الآن، وما يمكن تأجيله لاحقاً، مع الحفاظ على الهدف العامّ بوصفه بوصلة العمل. ويساعد هٰذا التّرتيب المدروس على تخفيف الضّغط عن الفريق، وتوجيه الجهد نحو المهامّ ذات الأثر الأكبر. كما يمنع التّشتّت النّاتج عن محاولة إنجاز كلّ شيءٍ في وقتٍ واحدٍ. وتكمن قوّة المرونة التّنفيذيّة هنا في قدرتها على التّمييز بين الثّابت والمتغيّر، فتبقى الرّؤية مستقرّةً بينما تتغيّر الوسائل والوتيرة وفق مقتضيات الواقع.
إدارة الجانب النفسي قبل التنظيمي
لا ينجح أيّ تغييرٍ حقيقيٍّ دون التّعامل مع مشاعر الفريق أوّلاً. فمع التّحوّل، تظهر المخاوف، ويتصاعد القلق، ويزداد الغموض، ما يجعل الجانب النّفسيّ أحد أبرز التّحدّيات. لذلك، تفرض المرونة التّنفيذيّة الاهتمام بالحالة النّفسيّة للأفراد قبل فرض الإجراءات التّنظيميّة. ويحقّق القائد ذٰلك عبر الاستماع الفعليّ، وشرح الأسباب، وتوضيح ما هو واضحٌ وما يزال قيد التّقييم. ويخفّف هٰذا الأسلوب من التّوتّر، ويحدّ من انتشار الشّائعات، ويعزّز الأمان النّفسيّ داخل الفريق. ومن دون هٰذا الاحتواء، يفقد الفريق طاقته حتّى ولو كانت الخطّة محكمةً.
توزيع الأدوار بمرونة وفق المرحلة
تتغيّر متطلّبات العمل خلال الأزمات، ما يستدعي إعادة النّظر في توزيع الأدوار والمسؤوليّات. وهنا، تسمح المرونة التّنفيذيّة بتعديل الأدوار مؤقّتاً بما يتناسب مع قدرات الأفراد وظروف المرحلة. فيمنح من يتحمّل الضّغط مساحةً أوسع، ويدعم من يحتاج وقتاً إضافيّاً للتّكيّف. ويساعد هٰذا التّوزيع المرن على استثمار الطّاقات بشكلٍ أفضل دون إنهاك الفريق، كما يقلّل من الشّعور بالظّلم أو الفوضى النّاتجة عن ثبات الأدوار رغم تغيّر الواقع. وبهٰذا، تظهر القيادة كمنسّقٍ واعٍ يدير التّوازن لا كصاحب أوامر جامدةٍ.
اتخاذ قرارات قابلة للتعديل لا نهائية
تفرض بيئات التّغيير اتّخاذ قراراتٍ سريعةً، لكنّها لا تحتمل القرارات المغلقة. لذلك، تعتمد المرونة التّنفيذيّة على قراراتٍ مرحليّةٍ يمكن مراجعتها وتعديلها مع ظهور معطياتٍ جديدةٍ. ويمنح هٰذا النّهج الفريق طمأنينةً لأنّ الخطأ لا يتحوّل إلى عبءٍ دائمٍ، كما يسمح بتصحيح المسار دون خسائر كبيرةٍ. ويظهر القائد هنا شجاعةً في اتّخاذ القرار، وتواضعاً في مراجعته، وهي سمةٌ تـميّز القيادة المرنة عن القيادة المتصلّبة.
تثبيت التعلم وتحويل التحدي إلى خبرة
لا تكتمل المرونة التّنفيذيّة دون استخلاص الدّروس من التّجربة. فبعد كلّ مرحلة تغييرٍ، يعيد القائد تقييم ما نجح وما تعثّر، ويشارك الفريق هٰذه الخلاصات بوضوحٍ. ويساعد هٰذا السّلوك على تحويل التّحدّيات إلى خبراتٍ تراكميّةٍ بدلاً من أن تبقى أزماتٍ مستنزفةً. كما يعزّز ثقافة التّعلّم المستمرّ داخل الفريق، ويحوّل المرونة التّنفيذيّة إلى سلوكٍ دائمٍ لا ردّ فعلٍ مؤقّتٍ. ومع الوقت، ينتقل الفريق من مجرّد إدارة التّغيير إلى الاستعداد الدّائم له.
كيف تؤثر المرونة التنفيذية على اتخاذ القرار تحت الضغط؟
تغيّر المرونة التّنفيذيّة طريقة اتّخاذ القرار جذريّاً، إذ تدفع القائد إلى التّفكير بالخيارات الممكنة لا بالأوامر الجاهزة، وبالاحتمالات المتاحة لا بالحلول النّهائيّة المغلقة. وفي بيئاتٍ غير مستقرّةٍ، نادراً ما تتوافر معلوماتٌ كاملةٌ، لذلك تعتمد القيادة المرنة على التّقييم المستمرّ ومراجعة النّتائج بشكلٍ متواصلٍ. ويساعد هٰذا الأسلوب على تقليل المخاطر، وبناء ثقة الفريق في قدرة القيادة على التّعامل مع الواقع كما هو، لا كما كان متوقّعاً.
الخلاصة
تقود المرونة التّنفيذيّة الفرق نحو قدرٍ أعلى من الاستقرار في أكثر الفترات اضطراباً، لأنّها توازن بذكاءٍ بين الحزم والتّكيّف، وبين الرّؤية والواقع. ولا تهدف إلى إزالة التّحدّيات، بل إلى إدارتها بوعيٍ يحافظ على الأداء، ويصون الثّقة، ويمنع استنزاف الطّاقة الجماعيّة. وعندما يتبنّى القائد المرونة التّنفيذيّة نهجاً دائماً، تتحوّل التّغيّرات من أزماتٍ مرهقةٍ إلى مراحل تعلّمٍ ونضجٍ، ويصبح الفريق أكثر استعداداً لمواجهة المستقبل مهما تبدّلت ظروفه.
-
الأسئلة الشائعة
- هل المرونة التنفيذية تناسب جميع أنماط القيادة أم نوعاً معيناً فقط؟ تناسب المرونة التنفيذية جميع أنماط القيادة لأنها لا تلغي شخصية القائد، بل تضيف لها قدرة التكيف. سواء كان القائد حازما أو تشاركياً، تسمح له المرونة التنفيذية بتعديل أسلوبه حسب الموقف دون التخلي عن قيمه أو سلطته. لذلك، تعد مهارة شمولية يمكن دمجها مع أي نمط قيادي.
- متى تتحول المرونة التنفيذية إلى تردد إداري؟ تتحول المرونة التنفيذية إلى تردد عندما يغيب الإطار الزمني الواضح للقرار، أو عندما يتجنب القائد الحسم بحجة انتظار معطيات إضافية دون ضرورة. المرونة الصحية ترتبط بقرارات قابلة للتعديل، لا بتأجيل دائم، ويضبطها وضوح الهدف لا الخوف من الخطأ.