لأول مرة.. Meta مرشحة لتجاوز Google في سوق الإعلانات الرقمية
تقترب ميتا من تجاوز غوغل في سوق الإعلانات الرقمية بفضل نمو قوي وأدوات ذكية، مما يعيد رسم خريطة المنافسة بين عمالقة التكنولوجيا عالميًا
تقترب شركة ميتا (Meta) من تحقيق تحوّل تاريخي في سوق الإعلانات الرقميّة العالمي، إذ تشير تقديرات حديثة إلى أنّها قد تتفوّق على غوغل (Google) خلال عام 2026 من حيث صافي الإيرادات الإعلانيّة الرقميّة على مستوى العالم. ولا تكمن أهميّة هذا التطوّر في الأرقام وحدها، بل في كونه يعكس تغيّراً عميقاً في موازين القوّة داخل الاقتصاد الرقمي، بعدما ظلّت غوغل لسنوات طويلة الاسم الأكثر هيمنة في هذا القطاع. ووفقاً لتقديرات eMarketer التي نقلتها رويترز، يُتوقّع أن تصل إيرادات ميتا الإعلانيّة الرقميّة إلى 243.46 مليار دولار في 2026، مقابل 239.54 مليار دولار لغوغل، في سابقة قد تنهي تفوّق غوغل التاريخي في هذا المجال.
يظهر هذا التحوّل أنّ المنافسة في الإعلانات الرقميّة لم تعد تحسم فقط عبر محركات البحث، بل باتت تدار أيضاً عبر المنصّات الاجتماعيّة، والفيديو القصير، والرسائل، والأدوات الإعلانيّة المؤتمتة المعزّزة بالذكاء الاصطناعي. وقد عزّزت ميتا موقعها في السنوات الأخيرة بفضل قدرتها على تحويل منصّاتها الكبرى، مثل فيسبوك (Facebook) وإنستغرام (Instagram)، إلى منظومة إعلانيّة أكثر فاعليّة وربحيّة، مع توسيع الاستفادة من ريلز (Reels) وثريدز (Threads) وواتساب (WhatsApp). وتشير التقديرات نفسها إلى أنّ نمو ميتا الإعلاني في 2026 قد يبلغ 24.1%، مقابل 11.9% فقط لغوغل، وهو فارق يعكس تسارعاً واضحاً في زخم ميتا مقارنة بمنافستها.
يدعم هذا المسار أداء مالي قوي حققته ميتا بالفعل قبل هذه التوقّعات. ففي نتائجها الرسميّة للربع الرابع وكامل عام 2025، أعلنت الشركة أنّ إيراداتها السنويّة بلغت 200.97 مليار دولار، بزيادة سنويّة قدرها 22%، كما ارتفع متوسّط سعر الإعلان لديها بنسبة 9% خلال العام نفسه. وتعكس هذه الأرقام قدرة ميتا على تحسين كفاءة الإعلانات ورفع العائد من المساحات الإعلانيّة الموجودة أصلاً، لا الاكتفاء بزيادة عدد الإعلانات فقط. وهنا تحديداً يظهر أثر الأدوات الذكيّة التي طوّرتها الشركة، مثل Advantage+، والتي باتت تسمح للمعلنين بإدارة الحملات بطريقة أكثر أتمتة ودقّة، وهو ما رفع جاذبيّة منصّاتها لدى العلامات التجاريّة الكبرى والصغرى على حدّ سواء.
في المقابل، لا يعني هذا أنّ غوغل تتراجع مالياً أو تفقد ثقلها في السوق، بل يعني أنّ نموّها الإعلاني لم يعد بالسرعة نفسها التي تتمتّع بها ميتا. فقد أعلنت ألفابت (Alphabet)، الشركة الأم لغوغل، أنّ إيراداتها السنويّة تجاوزت 400 مليار دولار للمرّة الأولى في 2025، كما أوضحت في تقريرها السنوي أنّ أكثر من 70% من إجمالي إيراداتها ما زال يأتي من الإعلانات عبر الإنترنت. كذلك سجّلت خدمات غوغل نمواً قوياً، مدفوعاً بارتفاع إيرادات البحث واشتراكات يوتيوب (YouTube) والخدمات الأخرى. لكن تنوّع أعمال غوغل، من الحوسبة السحابيّة إلى الأجهزة والاشتراكات، يعني أيضاً أنّ الإعلانات لم تعد المحرّك الوحيد لصورتها الماليّة، في حين تواصل ميتا تركيزها شبه الكامل على تعظيم النشاط الإعلاني.
تفسير هذا التحوّل لا يرتبط فقط بقوّة ميتا، بل كذلك بتغيّر سلوك المستخدمين والمعلنين. فالمعلن اليوم يبحث عن منصّات تمنحه وصولاً سريعاً، واستهدافاً أدقّ، وقدرةً أكبر على تحويل الانتباه إلى شراء فعلي أو إجراء قابل للقياس. وفي هذا السياق، استفادت ميتا من الجمع بين الحجم الهائل للجمهور، والتوصيات القائمة على الذكاء الاصطناعي، والإعلانات المدمجة داخل المحتوى القصير والرسائل والتجارب الاجتماعيّة اليومية. كما أنّ إدخال الإعلانات إلى واتساب وثريدز زاد من المساحات التجاريّة التي يمكن للشركة تحقيق الدخل منها، وهو ما رفع سقف نموّها المحتمل في وقت باتت فيه المنافسة أشدّ مع تيك توك (TikTok) ويوتيوب شورتس (YouTube Shorts) ومنصّات أخرى.
الأهم من ذلك أنّ هذا التطوّر لا يعني خسارة غوغل بقدر ما يعني دخول السوق مرحلة جديدة من إعادة التوزان. فحتى مع احتمال تصدّر ميتا، تتوقّع eMarketer أن تستحوذ ميتا وغوغل وأمازون (Amazon) معاً على 62.3% من سوق الإعلانات الرقميّة العالمي في 2026، ما يؤكد أنّ الهيمنة ستبقى متركّزة في أيدي عدد محدود من العمالقة. غير أنّ تبدّل ترتيب الصدارة بحدّ ذاته يحمل دلالة كبيرة: السوق لم يعد ثابتاً، والابتكار في أدوات الإعلان وتجربة المستخدم بات قادراً على إعادة رسم خريطة القمّة. ولذلك، إذا نجحت ميتا فعلاً في انتزاع المركز الأوّل من غوغل، فسيُسجَّل ذلك بوصفه واحدة من أبرز لحظات التحوّل في تاريخ الإعلانات الرقميّة الحديثة.