كيف تترك أثراً لا يُنسى دون استعراض أو تكلّف؟
حين يتحوّل الحضور الصّادق والاهتمام الحقيقيّ بالآخرين إلى أداة تأثيرٍ خفيّةٍ، يصبح التّميّز في العلاقات المهنيّة نتيجة شعورٍ يُزرَع لا كلماتٍ تُقال
هذا المقال متوفّرٌ باللّغة الإنجليزيّة من هنا.
عند دخولك أي مساحة مخصّصة للتشبيك وبناء العلاقات، ستلاحظ أن معظم المؤسسين يدور في أذهانهم السؤال نفسه: "كيف أكون أكثر استراتيجية؟» أو: «كيف أتميّز في الغرف، والاجتماعات، أو حتى عبر الإنترنت، من دون أن أشعر وكأنني أروّج لنفسي؟»
إنه سؤال مألوف، ويعيد إلى ذاكرتي مفهوماً كنت أعلّمه لفرق المبيعات لدي قبل سنوات، أطلقتُ عليه آنذاك اسم علم أن تكون مُتذكَّراً. والحقيقة أنّ الأمر لا يتعلّق بأن تكون الأعلى صوتاً، أو الأكثر أناقة، أو أن تحضر في كل مكان. بل يتعلّق بكيفية جعل الآخرين يشعرون في اللحظات التي تُحدث الفرق فعلاً. فالهدف ليس أن يتذكّر الناس ما قلته، بل أن يتذكّروا كيف شعروا عندما كانوا برفقتك. أي، عندما تكون حاضراً بصدق، يشعر الآخرون بذلك. وعندما تطرح الأسئلة من دون أن تتعجّل الرد، يلاحظون ذلك. وعندما تهتم فعلاً -لا بدافع استراتيجي، بل بصدق حقيقي- فهنا تحديداً تكمن الذاكرة.
والمثير في الأمر هو مدى قوة هذا المفهوم، لا سيما في عالم الأعمال. فالناس يشترون من أولئك الذين يشعرونهم بأنهم مرئيون ومقدَّرون. وهم يتذكّرون الشخص الذي جعل الاجتماع مختلفاً: ليس صفقة عابرة، ولا تفاعلاً سطحياً، بل لقاءً إنسانياً حقيقياً.
وما يزيد هذه الفكرة عمقاً، أنّها لا تتطلب بالضرورة كاريزما فطرية. إنما تتطلّب ببساطة نقل التركيز من الذات إلى الشخص الجالس أمامك. معظمنا لا يفعل ذلك بما يكفي. نحن مشتّتون، مثقلون بالمهام، نصغي بنصف انتباه، فيما عقولنا منشغلة بما سيأتي لاحقاً. والناس يلاحظون سريعاً حين تكون طاقتك منقسمة، كما يلاحظون بالسرعة نفسها عندما تكون حاضرة بالكامل.
شاهد أيضاً: لماذا قد يكون البحث عن السعادة خادعاً؟
لذلك، إذا أردت أن تُحفَر في الذاكرة -سواء لدى العملاء، أو المستثمرين، أو حتى أفراد مجتمعك- فالأمر لا يتعلّق ببذل جهد أكبر، بل بأن تكون أكثر وعياً وقصداً في حضورك. وفيما يلي المبادئ الثلاثة التي لطالما شاركتها لإتقان علم أن تكون مُتذكَّراً:
1. كن الشخص الذي يُتابع
إذا أجريت حديثاً لطيفاً مع أحدهم، وشاركك أمراً شخصياً -ربما عرضاً مهماً، أو أسبوعاً مرهقاً، أو حتى ذكر أنّ عيد ميلاد طفله قريب- دوّن هذه التفاصيل. وبعد أيام، أرسل رسالة قصيرة. ليست رسالة تتطلب رداً، بل رسالة تُظهر أنك كنت تُصغي حقاً. هذا الفعل البسيط وحده يقول للطرف الآخر: «أنا أراك بما يتجاوز حدود الصفقة».
2. وازن طاقتك مع طبيعة اللّحظة
لست مضطراً لأن تكون في حالة تشغيل دائم، بل كل ما تحتاجه هو الانسجام. أحياناً، يكون الهدوء والتفكير المتأني أكثر قدرة على اختراق الضجيج من الحماسة المفرطة. قدّم النسخة الأكثر صدقاً منك؛ فهكذا تُبنى العلاقات.
3. اهتم، لكن لا تحسبها
الطريقة الوحيدة لأن تُحفَر في الذاكرة حقاً هي أن تهتم بصدق.لذلك، أخرج نفسك من الإطار الضيق، وفكّر في الشخص أمامك: ما الذي يمرّ به؟ ما الذي يحتاجه؟ وكيف يمكنك أن تضيف قيمة حقيقية إلى عالمه؟ لا لأن ذلك يخدمك، بل لأنه حقيقي.
أن تكون مُتذكَّراً لا يتعلّق بالأداء أو الاستعراض، بل بالحضور الصادق. والحضور هو ما يتوق إليه الناس اليوم أكثر من أي وقت مضى، في عالم يتحدّث فيه الجميع، لكن القلّة فقط تتواصل بعمق. لذلك، جرّب هذا الأسبوع أن تُبطئ قليلاً. في اجتماعاتك، ورسائلك، ومحادثاتك اليومية، امنح نفسك المساحة الكافية لترى فعلاً الشخص الذي أمامك؛ لأن الطريقة التي تجعل بها الناس يشعرون في تلك اللحظات الصغيرة، غالباً ما تكون ما يصنع أكبر فرصك لاحقاً.
عن المؤلِّفة
نيكي بيدفورد (Nicki Bedford) هي رائدة أعمال متسلسلة وقائدة تنفيذية في عالم الأعمال، تتمتع بحسّ حاد في بناء المشاريع التي تمزج بين الابتكار، والأثر، وقابلية التوسّع. وتشمل خبرتها قيادة نمو شركة بازفيد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ (BuzzFeed Asia Pacific)، إلى جانب تأسيسها عدداً من الشركات في مجالي التكنولوجيا والإعلام. وهي مؤسسة كل من شبكة المؤسِّسات (Female Founders Network)، وسيزن (Seizen)، ولينز (Lenzz)، وهي منصات صُمّمت جميعها لتمكين الأفكار الجريئة وبناء قيادة تستشرف المستقبل.
