العلامات التجارية الكبرى تحدد مسارها: هل تكفي المنافسة لتنجح؟
لا يكمن نجاح في العلامات التّجاريّة في الادّعاء بالتّفوّق، بل في مواجهة خصمٍ واضحٍ يُظهر هويّتها ويشد جمهورها نحو قضيّتها بجرأةٍ
يهدر العديد من رواد الأعمال وقتهم في محاولة إقناع الآخرين بأن منتجهم «أفضل»، لكن هذه لعبة خاسرة منذ البداية؛ فالعلامات التجارية بحاجة إلى أكثر من مجرد هدف، فهي تحتاج إلى خصم واضح، إلى نقيض يُبرز رسالتها، ويوحّد جمهورها حولها، ويجعل اختلافها جليّاً لا لبس فيه. الأمر لا يتعلق بالسلبية، بل بالقدرة على أن تكون الهوية قاطعة وواضحة لا تقبل التأويل.
في كتابي الجديد «العدو الاستراتيجي: كيف تبني وتُرسّخ علامة تجارية تستحق القتال من أجلها» (The Strategic Enemy: How to Build and Position a Brand Worth Fighting For)، أوضّح كيف أن العلامات التجارية الناجحة لا تنتصر عبر تعداد المزايا، بل من خلال اتخاذ موقف صريح ضد شيء محدد.
وفيما يلي ثلاث من أبرز الرؤى التي يقدمها الكتاب، والتي تشكل دليلاً عمليّاً لرواد الأعمال والمسوقين وقادة الأعمال الراغبين في تعريف علاماتهم التجارية ليس بما هي عليه فحسب، بل بما تواجهه وتقاومه.
لا بطل من دون خصم
لا تكتفي العلامات التجارية الجريئة بإطلاق المنتجات، بل تعلن عن موقفها بوضوح من خلال الوقوف ضد شيء محدد؛ إذ إنّ تحديد ما تعارضه يجعل ما تؤيده أكثر وضوحاً، ويحفّز جمهور المستهلكين على الانخراط ودعم قضيتها.
على سبيل المثال، لم تكتفِ أوتلي (Oatly) بالترويج لحليب الشوفان، بل واجهت صناعة الألبان التقليدية مباشرة. ومن خلال رسائل جريئة وحملات استفزازية، وشعارها الشهير «واو، بلا بقرة» (Wow, No Cow)، أعادت أوتلي صياغة صورة الحليب بوصفه منتجاً متقادماً، وغير صحي، ومضراً بالبيئة.
وبالمثل، لم تروّج إير بي إن بي (Airbnb) للإقامة الأرخص فقط، بل أعادت تعريف الفنادق التقليدية على أنها باردة، ومبالغ في أسعارها، ومنفصلة عن الثقافة المحلية، بينما قدمت هي تجربة معاكسة: مجتمع، أصالة، وانغماس محلي.
وعلى مدى ثلاثين عاماً، استخدمت حملة «كُل المزيد من الدجاج» (Eat Mor Chikin) التابعة لتشيك-فيل-إيه (Chick-fil-A) الأبقار لتذكير الناس بالتحول إلى الدجاج، مؤكدين ضرورة رسم خط واضح للعدو واستحضاره بطريقة درامية.
المواجهة تتفوق على ادعاء «الأفضل» في كل مرة
من الصعب تحقيق الفوز بادعاء «الأفضل»، إذ تكمن المشكلة في مصداقيته؛ فالمستهلك يتساءل: إذا كنت الأفضل، فلماذا لا تكون الرائد؟ هذه الحقيقة لا يمكن إنكارها. في المقابل، المواجهة الحقيقية لا تحتاج إلى إقناع أو إيمان، بل تمنح وضوحاً فورياً، فتعلن: نحن لسنا هم. ومن خلال هذا التباين الواضح، ينبثق فهم فوري لهويتك وتميزك.
فشركة ليكويد ديث (Liquid Death) لم تدّع أن مياهها أفضل، بل أعلنت حربها على الزجاجات البلاستيكية من خلال شعار #الموت_للبلاستيك (#Death to Plastics). مياهها تعبأ في علب ألمنيوم طويلة قابلة لإعادة التدوير بالكامل، وهوية الشركة الجريئة، المستوحاة من ثقافة الهيفي ميتال، تمنح المستهلكين خيار شرب الماء بدلاً من البيرة مع الحفاظ على صورة فريدة ومتميزة.
وبالمثل، قدمت سفن أب (7UP) نفسها على أنها «اللا-كولا» (Uncola)، لا مجرد كولا أفضل، بينما ركّزت حملة أبل (Apple) الشهيرة «أنا ماك، وأنا بي سي» (I’m a Mac, I’m a PC) على التباين الواضح: إبداع وبرودة مقابل الجمود المؤسسي والتعقيد، موضحة أن الفرق لا يُقاس بالمزايا وحدها، بل بالخط الفاصل الذي تختاره علامتك التجارية
احذر فخ توسيع خطوط المنتجات
بالنسبة للشركات، توسع خطوط المنتجات قد يحجب القدرة على تحديد عدو واضح. العلامات التجارية التي تمتد عبر عدة فئات تفقد تركيزها، وقد تتحول إلى أسوأ خصم لنفسها.
كوكا-كولا لايف (Coca-Cola Life) وكوكا-كولا إنرجي (Coca-Cola Energy) فشلتا، بينما حققت أولي-بوب (Olipop) وبوبي (Poppi)، وكذلك ريد بول (Red Bull) ومونستر (Monster)، نجاحاً واضحاً. فالفئات الجديدة تتطلب علامات جديدة، لأن توسعات الخطوط نادراً ما تنتصر على علامات مركّزة. حتى السبق الزمني لا يضمن البقاء: اخترعت كوداك (Kodak) الكاميرا الرقمية، لكن كوداك ديجيتال (Kodak Digital) فشلت.
فالعلامة الرائدة تمثل الفئة نفسها، وقد تتحول إلى الاسم المتداول لها: نبحث على غوغل (Google)، نستدعي سيارة عبر أوبر (Uber)، وننظف المنزل بسويفر (Swiffer). ارتبطت كوداك بالتصوير الفيلمي، فرفض العقل ربطها بالتصوير الرقمي.
والبديل هو خلق عدو استراتيجي جديد، كما فعلت مايكز هارد ليمونيد (Mike’s Hard Lemonade) مع وايت كلو (White Claw)، أو غاب (Gap) مع أولد نيفي (Old Navy). وكان الأجدر بكوداك إطلاق علامة جديدة للفئة الرقمية.
خلاصة تنفيذية
العدو الاستراتيجي ليس مجرد مفهوم، بل هو بوصلة للوضوح والتميز: لتقف من أجل شيء، يجب أولاً أن تحدد ما تقف ضده. ففي سوق اليوم المزدحم والمتقلب بسرعة، لا تكفي الرسائل العامة أو الشعارات الفضفاضة؛ فالعلامات الأكثر نجاحاً هي تلك التي ترسم خطاً واضحاً يفصلها عن خصومها، وتظل مخلصة لموقفها رغم الضغوط والتغيرات. قد يكون هذا العدو فئة قديمة، عرفاً متجاوزاً، أو اعتقاداً راسخاً أصبح بحاجة إلى مواجهة، لكن تحديده يمنح الهوية صراحة ووضوحاً لا يقبل التأويل.
وفي سباق جذب الانتباه، وتعميق الارتباط العاطفي، وبناء الحضور الثقافي، ليست الحيادية ملاذاً آمناً، بل هي الطريق الأسرع للاختفاء. القائد الحقيقي هو من يجعل موقفه من هذا العدو واضحاً لكل جمهور علامته التجارية، فلا يكتفي بتوضيح ما تمثله، بل يُظهر بجلاء ما يرفضه ويعارضه، ليصبح ذلك الموقف دليلاً حياً على هويته وقوته وتميزه في السوق.
كتب هذا المقال لورا رايز (Laura Ries)، رئيسة مجلس إدارة رايز (Ries)، ونُشر في الأصل على Inc.com.