المنتج أوّلاً: هل يُقاس التقدّم بالنتائج أم بالجهود المبذولة؟
في المنظّمات التي تعتمد نهج المنتج أوّلاً، لا يكفي تسريع العمليات أو زيادة حجم العمل، بل يُقاس التقدّم بالنتائج الحقيقية التي تحقق الأثر الاستراتيجي
على مدى عقودٍ طويلة، أدّت سعةُ المبرمجين دورَ المطبّ الطبيعي في مسار الانتقال من الفكرة إلى إطلاق المنتج. فثمّة حدٌّ أقصى لما يمكن لأي فريق إنجازه خلال أسبوعٍ أو شهر، بصرف النظر عن مستوى مهارات أفراده أو عمق خبراتهم. ظلّ هذا الواقع قائماً دائماً؛ إذ إنّ العمل المتقن، بطبيعته، يحتاج إلى وقت. غير أنّ عنق الزجاجة الناتج عن ذلك لم يكن مجرّد حقيقة عمليّة، بل تحوّل مع الزمن إلى مصدر إحباطٍ مزمنٍ لدى القيادات.
ولهذا، لم تتردّد المنظّمات في استثمار مليارات الدولارات في أدواتٍ وبيئاتٍ تُسهم في تسريع عمليّات التطوير. وقد نجح كثيرٌ منها بالفعل في تقليص الجداول الزمنية للترميز، وفي تحويل الأفكار إلى أدواتٍ عاملة بوتيرةٍ غير مسبوقة. غير أنّ هذا التقدّم، وكما يحدث في حالات التحسين الجزئي، كشف سريعاً عن حقيقةٍ أكثر تعقيداً: إنّ تحدّيات تطوير المنتجات لا تختزل في فريقٍ واحد، ولا في مرحلةٍ واحدة، ولا في عمليّةٍ بعينها.
وحين تراجعت القيود التقليدية التي طالما نُظر إليها بوصفها العائق الأكبر، برزت أمام المنظّمات حقيقةٌ غير مريحة مفادها أنّ إزالة مصادر الاحتكاك الواضحة لا تؤدّي بالضرورة إلى انسياب العمل، بل تكشف، في كثيرٍ من الأحيان، عن اختلالاتٍ أعمق كانت مستترة خلفها.
تحوّل عنق الزجاجة
لا شكّ في أنّ التدفق الواسع لأدوات الترميز المدعومة بالذّكاء الاصطناعي شكّل دفعةً قويّة لإنتاجيّة التطوير. غير أنّ هذا الزخم لم يرفع الضغط عن دورة حياة المنتج بكاملها، بل أعاد توزيعَه فحسب. فقد انتقل عنق الزجاجة إلى موضعٍ آخر في السلسلة، ليظهر تحدٍّ جديدٌ يتّسم بدرجةٍ أعلى من التعقيد مقارنةً بما سبقه.
ومع إتاحة أدوات الترميز القائمة على الذّكاء الاصطناعي، وقدرتها -بدرجاتٍ متفاوتة- على الاضطلاع بجانبٍ كبير من أكثر مهام البرمجة استهلاكاً للوقت، بدأت الوظائف السابقة للتطوير تفقد قدرتها على مجاراة الإيقاع. لم تعد فرق التسويق تنتظر اكتمال عمل المبرمجين، ولم تعد الإصدارات الجديدة معلّقةً إلى أن تتوافر السعة التقنية. وعلى نحوٍ متزايد، بات المشهد معكوساً: مهندسون ومطوّرون ينتظرون الآخرين ليحدّدوا لهم ما ينبغي بناؤه تالياً.
فالتطوير، في جوهره، لا يمثّل نقطة الانطلاق، بل هو المحصّلة النهائية لساعاتٍ طويلة من توليد الأفكار، والتخطيط الاستراتيجي، والبحث، والتصميم. وإذا عجزت تلك القرارات السابقة للتطوير عن مواكبة التسارع، وبقيت قنوات التواصل بين الفرق محدودة أو مجزّأة، فإنّ تسريع التنفيذ يفقد معناه. فلا شيء يُبنى أساسًا. والأسوأ من ذلك، أنّ تسارع فرق ما قبل التطوير دون ما يلزم من دعمٍ ومنهجيّةٍ يقود إلى نتيجة أشدّ خطورة: إنتاج المنتج الخطأ، ولكن بسرعةٍ أكبر.
وتشير التجربة العملية إلى أنّ أكبر مواطن التأخير والهدر في تسليم البرمجيات نادراً ما تنبع من التطوير نفسه. فالمهندسون، في المتوسّط، لا يقضون سوى 16% من وقتهم في كتابة الشيفرة فعليّاً. ومن ثمّ، فإنّ تسريع هذا الجانب وحده لا يمكن أن يحقّق سوى أثرٍ محدود. إذ إنّ المشكلات الحقيقية تتشكّل قبل كتابة السطر الأوّل من الشيفرة بزمنٍ طويل، وقد ظلّت أسطورة التطوير البطيء توفّر غطاءً مريحًا للاختلالات المحيطة به.
سوء المواءمة هو المشكلة الحقيقية
ومع انحسار القيود التي طالما كبحت التطوير، يجد قادة المنتجات أنفسهم اليوم مطالبين بإخضاع ما يجري خارج نطاق التطوير للمستوى نفسه من التدقيق الذي اعتادوه عند التعامل مع تأخيرات الترميز والتسليم. وعند القيام بذلك، تنكشف الحقيقة في معظم الأحيان: إنّ سوء المواءمة هو أصل الإشكال. وهنا تحديداً تتجلّى الحاجة إلى إدارة منتجات رفيعة المستوى.
في المنظّمات التي تتبنّى فلسفة المنتج أوّلاً، لا تستطيع الأتمتة-مهما بلغت- أن تحلّ محلّ وضوح المقصد وقوّة إدارة المحافظ الاستراتيجية. فهذه عناصر لا تُستعجل، ولا تُختزل في أدوات. ويتضاعف هذا التحدّي حين تُنشر أنظمة الذّكاء الاصطناعي بصورةٍ ارتجاليّة؛ إذ إنّ القيمة الفعلية للرؤى التي يقدّمها الذّكاء الاصطناعي لا تتحقّق إلا بقدر ما تمتدّ عبر المنظّمة. ويُعَدّ هذا أحد أوجه ثورة الذّكاء الاصطناعي التي أخفق كثيرٌ من القادة في معالجتها بجدّية.
تنفيذٌ استثنائي من البداية إلى النهاية
وفقاً لاستطلاعٍ حديثٍ شمل مختصّين في ديف سيك أوبس (DevSecOps)، تبيّن أنّ الأنظمة والعمليات وقنوات التواصل غير المتّصلة تُعدّ من أبرز مصادر إهدار الوقت لدى فرق تطوير المنتجات. وقد أشار المشاركون إلى أنّهم يقضون، في المتوسّط، سبع ساعات أسبوعيّاً في التنقّل بين مكدّسات تقنيةٍ مجزّأة.
ومع تضاعف إنتاج المطوّرين بفعل الذّكاء الاصطناعي، يصبح من الضروري أن تعيد المنظّمات ترسيخ الأساسيات: توجّهاً استراتيجيّاً واضحاً، وإدارة محافظ منضبطة، ومسؤوليّةً مشتركة عبر الفرق. فالتقدّم الحقيقي لا يُقاس بحجم المخرجات، بل بوقع النتائج. وهذا يستلزم من القادة تجاوز هاجس تسريع التطوير، والتركيز بدلاً من ذلك على توظيف الذّكاء الاصطناعي في تعزيز ركائز التنفيذ الجوهرية.
ويشمل ذلك تسخير الذّكاء الاصطناعي لدعم اكتشاف رؤى العملاء وتجميعها، بما يمكّن الفرق من رصد الأنماط والاحتياجات غير الملبّاة بوتيرةٍ أعلى. كما يشمل تطبيقه في تخطيط السيناريوهات وتحديد الأولويات، لتمكين القيادات من اختبار الفرضيّات وفهم المفاضلات قبل الالتزام بالموارد. ويشمل كذلك تحسين الرؤية الشاملة للمحافظ، بحيث تستند القرارات إلى نتائج على مستوى المؤسّسة، لا إلى تحسيناتٍ محليّة معزولة.
في هذا الإطار، يتحوّل الذّكاء الاصطناعي إلى قوّةٍ مضاعِفة للمواءمة، لا إلى اختصارٍ يلتفّ حولها. وتغدو هذه النقلة في الإدراك بالغة الأهميّة، لأنّ تيسير بناء البرمجيات يجعل قرار ما ينبغي بناؤه أكثر حساسيّة وأشدّ أثراً.
مواءمةٌ من أجل النجاح
ومع مساعدين الترميز القائمين على الذّكاء الاصطناعي، والأتمتة، وما يُعرف بالترميز بالمزاج (vibe coding)، التي أسهمت في تقليص الجداول الزمنية للتطوير على نحوٍ جذري، يبرز تناقضٌ جديد. فقد بات التطوير المدفوع بالذّكاء الاصطناعي يتيح للمنظّمات بناء ما يكاد يكون أي شيء وبسرعة لافتة. غير أنّ تلك الإصدارات، في كثيرٍ من الأحيان، تفشل في دفع المؤشّرات نحو الأهداف الشاملة.
وقد يمضي هذا المسار بالفرق إلى تسليم المزيد بوتيرةٍ أعلى، غير أنّ القادة لن يجدوا ما يبرّر هذا التسارع على مستوى الأثر. فالسرعة، حين تُطلَب لذاتها، تكافئ الحركة حتى وإن كانت في الاتجاه الخاطئ. وهو خطرٌ لا تستطيع المنظّمات تحمّل تبعاته.
نُشِرَ هذا الرأيُ الخبير للويز ك. ألن، كبيرة مسؤولي المنتجات في بلانفيو (Planview)، للمرّة الأولى على موقع إنك.كوم (Inc.com).