اختيار الاستمرارية: الزّخم مهمٌّ، حتّى عندما لا يبدو سلساً!
تأمّلٌ في معنى الاستمرار والعمل بوعي وسط التّحوّلات، حيث لا يأتي الزّخم من اليقين دائماً، بل من الحضور والمضي قدماً رغم عدم اكتمال الصّورة
في نسخة ديسمبر 2025 – يناير 2026 من مجلة "عربيةInc. "، تقع هذه الطّبعة بين لحظتين: نهاية عامٍ وبداية آخرٍ. غالباً ما استخدمت هذه الفترة للتّأمّل، بمحاولاتٍ لتلخيص ما مضى بدقّةٍ، ولتوضيح ما هو قادمٌ بوضوحٍ. ولكن هذه المرة، يبدو الانتقال أقل وضوحاً واستقراراً ممّا كنت أتمنى.
قبل أيامٍ قليلةٍ من الموعد المقرّر للانطلاق في إعداد هذه النّسخة، رحلت أوديت قهوجي، القائدة الإبداعيّة في مجلة "عربيةInc. "، إثر حادث سيرٍ مأساويٍّ في لبنان. لقد جمعتني بأوديت علاقة تمتدّ لأكثر من عقدٍ من الزّمن، تجمع بين الزّمالة الوثيقة والصّداقة العميقة، وغيابها اليوم ليس أمراً تجاوزته بعد، بل هو فراغٌ أتعلّم حتّى الآن كيف أتعامل معه، وكيف أعيش معه بطريقةٍ أو بأخرى؛ فحضورها في حياتي المهنيّة والشّخصيّة كان ركيزةً أساسيّةً، وفقدانها يفرض عليّ مواجهة شعور بالافتقاد لا يمكن تجاوزه بسهولةٍ، مع محاولة أن أستوعب أثر هذا الغياب في كلّ جانبٍ من جوانب العمل، وفي الذّاكرة الّتي تركتها وراءها، والّتي ستظلّ حاضرةً بعمقٍ في كلّ خطوةٍ نقوم بها.
غالباً ما يُنظر إلى مطلع العام على أنّه نقطة فصلٍ جديدةٌ وواضحةٌ، لحظةٌ تحفل باليقين والانطلاق إلى مرحلةٍ جديدةٍ. ولكن هذه المرّة لم أشعر بهذا الوضوح. ومع ذلك، استمرّ العمل رغم استمرار تغيّر الظّروف ومعالجة المعنى الّذي نحاول استيعابه. وفي هذا السياق، لم ينبع الزّخم من وضوح الأمور أو اليقين، بل من الالتزام بالحضور الكامل والمشاركة المستمرة في سير العمل أثناء تطوّره. وهذه الحقيقة تبدو أكثر أهميّةً الآن مع اقتراب العام الجديد، إذ تذكّرنا بأنّ الاستمراريّة والالتزام بالحاضر هما ما يصنعان التّقدّم الحقيقيّ، حتّى حين تكون الصّورة العامّة غير مكتملةٍ، أو حين يسود الغموض حول ما يحمله المستقبل.
لذلك، بدلاً من الانشغال بفكرة البدايات الجديدة أو القرارات الجذريّة الّتي عادةً ما تصاحب هذا الوقت من العامّ، فضّلت التّركيز على الاستمراريّة؛ على معنى الالتزام بالحضور والمشاركة في العمل، حتّى عندما تتغيّر الظّروف المحيطة به. بالنّسبة لي، الزّخم في هذه المرحلة لا يتعلّق بالتّسارع أو إعادة الابتكار، بل يكمن في الاستمرار بالمشاركة الفاعلة، مع إدراك حقيقة أنّ الأمور ليست محسومةً بالكامل، وأنّ الغموض لا يزال حاضراً في بعض الجوانب.
ولما لهذا الأمر من أهميّةٍ، فقد تمّ إعداد هذا العدد بروحٍ مماثلةٍ؛ فقد شكّل تجميعه تجربةً مليئةً بالتّعديلات والتّعلّم في الوقت الفعليّ، حيث اضطررنا لإعادة التّفكير في بعض العمليّات المألوفة، ووضع إيقاعاتٍ جديدةٍ تتماشى مع الظّروف المتغيّرة. لم تكن كلّ القرارات واضحةٍ أو سهلةٍ، ولم يكن كلّ جزءٍ من العمليّة مريحاً بالكامل. ومع ذلك، ظلّ الالتزام بالعمل حاضراً دائماً: بالحرص على سرد قصصٍ ذات معنىً، والحفاظ على المعايير، والمضي قدماً بتأنٍّ ووعيٍ.
هذا هو الموقف الّذي أحمله معي في هذا العدد من مجلة "عربيةInc. "، وهو يعبّر عن جسور السّنة الماضية نحو السّنة الجديدة؛ ليس إغلاقاً أو يقيناً، بل نية واضحة. ففي بعض الأحيان، يكون الدّفع نحو الأمام، حتّى وإن لم يبدو سلساً، مجرّد قرارٍ بالاستمرار؛ بحذرٍ ووعيٍ، وبتأنٍّ، مع إدراك التّغيّرات الحاصلة، ونحن نخطو نحو ما سيأتي بعد ذلك.